الإغتراب: حلحلة مالية وتعقيد أسري!

في ظروف معيشية باتت صعبة للغاية اختار الكثير من الرجال السوريين السفر خارج بلدهم، إذ شكل الخيار شبه الوحيد لايجاد سبل العيش في وقت ضاقت فيه سبل العيش. لكنها مشكلة قديمة أيضا، فالعديد من المناطق في سورية تعاني من اغتراب عدد كبير من رجالها منذ وقت طويل.


يحمل المغترب أعباء جديدة ليس هو الوحيد المعني بها. فبشكل أو بآخر طالت آثار اغترابه كل فرد من أفراد عائلته، خصوصا الزوجة والاولاد الذين افتقدوا فجأة الجو المشاعري الايجابي داخل الاسرة، ما أدى إلى تحول الاسرة إلى محطة جمود عاطفي.

بالاضافة إلى الأثر السلبي لدور الاب الغائب على الفتيات بشكل خاص بالتعامل مع الرجال في اي موقع كان حبيب – زوج – مدير عمل – صديق....الخ، كما يشوه الرغبة المستقبلية للزواج عند الفتيات بسبب فهمهم الخاطئ للزواج.


وحسب دراسات حديثة لكلية الصحة العامة (جامعة كاليفورنيا) فإن الفتاة التي تفتقد وجود الأب تميل للوصول إلى سن البلوغ أسرع مقارنة بالفتيات الأخريات، إضافة إلى زيادة الوزن الذي من شأنه أن يساعد على التعرض للاصابة بأمراض عدة خاصة سرطان الثدي.

أما الزوجة فلها النصيب الأكبر من الأثر السلبي لغياب الزوج والأب! فقد صارت ترعى عائلتها بمفردها، وهي التي لديها مسبقا دور صعب محمل بكثير من المسؤوليات بوجود زوجها، فما هو الحال بغيابه تاركا وراءه الكثير من المسؤوليات والاعباء الاضافية! فهي الآن عليها ان تغطي دورها كأم ودور الأب الغائب! واذا ما فشلت بهذه المهمة ستكون العاقبة وخيمة! فالأب بعيد وهي الملامة الوحيدة!

ليس هذا فحسب، بل هي الآن تواجه بمفردها مجتمع ضيق الافق لا يعترف بحقوقها أو حريتها! في الوقت نفسه الذي صارت فيه المرأة اكثر وعيا بحقوقها البسيطة بدءا من حرية اختيارها لحياتها الخاصة بمعزل عن المسؤوليات المنزلية والالتزامات الاجتماعية وبناء شخصية مستقلة فعالة في المجتمع. فتحقيق مساحة خاصة بها كفرد مستقل من شأنه أن ينعكس بشكل أو بآخر ايجابا على حياتها العائلية بما في ذلك علاقتها بزوجها وتربية الاولاد. وهذا تحدي جديد صار اكثر صعوية الآن باغتراب الزوج.


المجتمع الوصي على كل امرأة وحيدة
السيدة لمياء أم لثلاثة أولاد، تعمل في المجال القانوني، قالت لـ"نساء سورية": سافر زوجي خارج البلد من أجل تحسين الوضع المادي. وكانت تجربة قاسية، ليس فقط بسبب المسؤوليات الجديدة المضافة على عاتقي، وإنما أيضا لوجود رابط الحب القوي بيننا! كنا على أعلى مستويات الانسجام والتفاهم إلى ان سافر وبدأت تظهر اختلافات جديدة بيننا بسبب البيئات الثقافية المختلفة واختلاف العادات والتقاليد الاجتماعية التي يعيش فيها كل منا.

تضيف السيدة لمياء: عانيت ألما نفسيا بسبب الوحدة في مجتمع يعدّ على المرأة أنفاسها وحركاتها وعلاقاتها....الخ هذا بالإضافة إلى تدخلات الأقارب بشكل خاص في شؤوني العائلية والخاصة! كما انني اضطررت بعد سفر زوجي إلى ايقاف دراستي من أجل رعاية أطفالي! وضاع وقت كبير مني في تحقيق ما كنت أصبو اليه بإكمال دراستي سريعا والتأسيس لعملي الخاص الذي كنت قد خططت وتعبت من أجله!

تتدارك السيدة لمياء: حسنا، من الجيد أن فترة اغترابه لم تدم طويلا.


اعيش حياته هو!
أما السيدة سلمى ربة، منزل فقالت أنها تفاجأت باتخاذ زوجها قرار الهجرة بمفرده: "حتى أنه لم يناقش القرار معي أو مع الأولاد!" بل كان منصرفا طوال الوقت لترتيبات السفر وإلغاء عمله الخاص الذي كان قد بدأ فيه قبل شهر واحد فقط من قراره بالهجرة، وذلك بهدف توفير بعض الأموال كي بها بعد أسبوع فقط! 
"ومع سفره انهارت حياتنا تماما"، تقول السيدة سلمى لـ"نساء سورية". قد ترك وراءه ولدين مراهقين من زواج سابق، وكانت هي حامل حينها بطفلتها الاولى..

عاشت سلمى قلقا مضنيا: هل سيصل آمنا ام سيغرق في عرض المحيط حال الكثيرين؟ كيف سنتدير تكاليف معيشتنا من اليوم فصاعدا؟ والى متى؟ هل سأنجح بتربية مراهقين اثنين بمفردي في وضع هو الأصعب والأخطر على المستوى العام ؟..

تشير سلمى إلى أن هذه التجربة "كانت من أسوء التجارب التي عشتها! لن أنسى قسوة الأيام الأولى، حتى وصل إلى ألمانيا واتصل بنا، استطاع زوجي أن يؤمن لنا مبلغا بسيطا كل شهر كان بالكاد يكفينا نصف الشهر مع الازدياد الهستيري المتسارع للاسعار".
أما الاولاد فبدأ مستواهم الدراسي بالتراجع إلى أن ترك احدهم المدرسة رغم محاولاتها الجاهدة الاهتمام بتعليمهم. صاروا يمضون كل وقتهم خارج المنزل غير آبهين بأي شيء.. رغم الانتشار الكبير للمخدرات من ناحية والخطف من ناحية اخرى! 

"فشلت في السيطرة على الوضع" تتابع سلمى "هذه الضغوطات أدت بي إلى ولادة مبكرة كدت بها أن أخسر طفلتي التي أضفت جوا من الفرح المفقود... فرح محفوف بكثير من المسؤوليات والاعباء الجديدة! تلك المسؤوليات التي لم أستطع تحملها كثيرا، بدأت أتهاوى تدريجيا مهملة ابنتي التي لم أعد أقوى على رعايتها حتى في أبسط التفاصيل.. هنا تدخل الاهل من أجل مساعدتي، بشكل خاص امي التي كانت ترعى طفلتي".

اضطرت سلمى تحت هذا الضغط إلى اللجوء لطبيب نفسي، شخص حالتها بالقلق الإكتئابي، واستمرت بالعلاج لنحو عام كامل. الآن تستعيد قدراتها بعد أن صدر "قرار لم الشمل" وصار أملا في التمام شمل العائلة.


بين زوجي وأولادي: غربة!
للسيدة ملك قصة أخرى مع المعاناة الطويلة بسبب هجرة الزوج. فقد سافر زوجها منذ العام الأول لزواجهما، قبل أكثر من 20 عاما. "كأن دوره اقتصر على تأمين المودود المالي فقط! فنحن لا نراه إلا في الإجازات السنوية كضيف ثقيل على الأولاد بشكل خاص.. إذ أن علاقته معهم اقتصرت على الكثير من المال، الكثير من الهدايا، والكثير من التأنيب"!

تمكنت السيدة ملك من التخرج من الجامعة في بداية الزواج، لكنها لم ستطع مزاولة المهنة مباشرة، تقول لـ"نساء سورية": "كانوا بحاجة أن أكون حاضرة بكل طاقتي ووقتي في غياب أبيهم". الآن كبروا، وصار بإمكانها العمل. وحين تنظر إلى كل تلك السنوات من الشقاء ترى أنها "أصبحت أقوى وقد حالي" حسب تعبيرها.

قد يكون السفر.. إيجابيا!
على ضفة أخرى نجد تجربة السيدة هناء مختلفة عن ما ذكرناه أعلاه فهي ربة منزل وأم لطلفين، لكن أوضاعهما المادية كانت سيئة، وعلاقتهما الزوجية دائمة التوتر. لذلك "كنت أتوق لسفر زوجي، فقد عرفت أن ابتعاده المؤقت سيساعد على ترميم علاقتنا بحيث يدرك كل منا أهمية الآخر في حياته"، قالت هناء لـ"نساء سورية".

لم يكن المرود المالي جيدا بحجم التوقعات. لكنها استطاعت أن تنظم أمور المنزل بتدبير. "أما بالنسبة لأطفالنا" قالت هناء "فرغم تعلقهم الشديد بوالدهم إلا انني لم ألحظ تغيرا في نفسيتهم، فهم يتواصلون معه بشكل يومي ويشاركونه كل تفاصيل يومهم.. بالاضافة إلى أنه أصبح لديهم نشاطات تعليمية وترفيهية جديدة لم يكونوا ليحظوا بها لولا سفر زوجي".

وبعد؟
بعض قصص الاغتراب في سورية، بعض الوقائع من عالم هؤلاء بالغ التعقيد.. لكن هذه الوقائع تشير إلى الأثر السلبي الكبير لغياب الأب عن أسرته بهدف جلب المال، الأمر الذي يطرح سؤالا جديا عما إن كان هؤلاء الآباء يعتبرون جلب المال هو دورهم كـ"آباء؟ 
كما أن أسئلة أخرى تطرحها هذه القصص، فهل يحق لأي من الطرفين (الزوج أو الزوجة) اتخاذ مثل هذا القرار المصيري دون موافقة الآخر؟ 
ربما علينا أن نسأل أسئلة أكثر حساسية قلما نستطيع طرحها أو الوصول إلى أجوبتها، مثل الآثار المترتبة على الاحتياجات الجنسية التي تغيب تلبيتها لشهور، وربما لسنوات!


*- اللوحة المرفقة للفانة الاسترالية زوفيا كيجاك عنونت بالاغتراب
**- تم تغيير جميع الأسماء في التقرير أعلاه لتصير أسماء مستعارة، حفاظا على خصوصية النساء اللواتي التقيناهن.

براءة نوفل، خاص مرصد نساء سورية
2017/5/23
التالي
« السابق
الأول
التالي »

تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon