فستاننا الوردي

إنها الخامسة مساءً، هاهي تَنسلُّ من بين جموع العابرين، إلى تلك الواجهة المضاءة بمصابيح ملونة، وتبدأ وصلة من الصمت والتأمل.. إنها المرة العشرون.. ربما المئة، أراها من شرفة منزلي، تمنيتُ معرفة أي فستان من الفساتين الثلاثة نالَ منها.. وأسَرَ لبها.. فتأتي إليه كل يوم في نفس التوقيت، كعاشقة تتلهف إلى لقاء الحبيب،

Imageوفطنتُ إلى غبائي، أينَ قدميكَ أيها المغفلْ؟ سارعتُ إلى الشارع، ولأنني خجول أولاً، وأحترم الخصوصية ثانياً، وأخشى ردة فعلها تجاهي كمتطفل على خلوتها مع حبيبها ثالثاً، وقفتُ قريباً منها أراقبُ واجهة المحل المجاور.

أراها بوضوح.. بل أتنشقُ عطرها.. وأظنه "فيدجي" وكان الأشهر في تلك الأيام، حَملته إليّ نسيمات مسائية دمشقية غير مُخترقَة، أمعنتُ النظر في وجهها.. عيناها مسمّرتان على الفستان الوردي، لكنه ليس موعداً صامتاً أبداً.. هاهي تناجيه بنظرات مفعمة بالشوق.. والهيام، وتبثه ما يختلج في صدرها دون حرج أو تردد: آه يا صديقي كم أعشق لونك الساحر.. وقامتك القصيرة.. وتدويرة قبتك المفتوحة.. وخصرك النحيل.. وأكمامك المنتهية بقطع التول.تسألني لمن سأرتديك؟ ليس لأحد بل لنفسي، لأبدو جميلة كساندريلا، أختالُ فيكَ ناثرة سحري على الجميع، ربما بعد ذلك سأخطرُ بكَ إلى موعد، لكن مع مَنْ..؟ فأنا أُصَنِّعُ أميراً كل ليلة.. وأضفي عليه ملامحاً تتغير باستمرار، لا أدري يا فستاني الوردي ما يحدث لي؟ فأحياناً أُضيّعُ معالم أميري واكتفي بترقب قدومه حتى لو كان ملثماً.

لقد طال لقاؤنا.. وأخشى أن تمنعني أمي من المجيء غداً، وربما أجد الفانوس السحري في طريق عودتي، فآخذكُ إلى خزانتي، دون انتظار تكدّس مدخراتي.

استدارتْ لتمضي، فوجدتني قريباً منها، رمقتني بنظرةٍ متسائلة، وأسرعتْ مختفية بين الجموع، وتلاشى طيفها دون أن تترك لي فرصة التحدث إليها.

كنت أُحَضّرُ لامتحان الشهادة الثانوية، لكن مشهد الفتاة والفستان أخذا مني كل مأخذ، وشرعتُ في رسم ملامحها بدلاً من رسم الخطوط البيانية، ونقشت على دفتري فستانها الوردي بدلاً عن الجهاز العصبي للفأرة.. ورحت أتخيلها مرتدية تحفتها الوردية.. كنزها الوردي، آتية نحوي.. لتأخذ بيدي إلى رحلة في عالم المجهول.

قطعتُ عليها مناجاتها يوماً، وتوقعتُ أن تنهرني، لكنها سألتني: أليس جميلاً ذلك الوردي.؟ فأجبتها:
إنه جاري.. وحبيبي.. فأنا أكتب قصائداً لقماشه الساحر.. وخيوطه الرقيقة.. وأحسد المكواة التي انسابتْ نشوانة تتلمس تفاصيله وحشواته، وكم سيفيض تألقاً وجمالاً حين ترتديه.. لقد انتظر طويلاً في الواجهة باحثاً عنكِ.. عن أميرته.
فنظرتْ إليّ وأودعتني تلك الابتسامة الصافية.

وهكذا أصبح موعدنا اليومي في الخامسة مساءً أمام واجهة المحل، صديقين صامتين.. إلاّ من ضجيج روحينا.. هي تصوغ من شوقها إليه مناجاة عذبة، وأنا أسائل وجهها عن سر انسياقي، وشغفي بالساعة الخامسة.. والفستان الوردي.. والابتسامة الآسرة.

ها هي آتية في الخامسة تتلهف للقاء حبيبها الوردي.. وها أنا أترقب وصول معذبتي الصامتة، والتقينا أمام الواجهة، لكن شيئاً ما غيّر ملامحها فجأة.. فخبا بريق العينين.. وتحولتْ حمرةُ خديها إلى لون خريفي أصفر.. ولمعتْ في مقلتيها قطرات الحزنْ.. وأشارتْ بيدٍ مرتعشةٍ إلى الفستان، أين فستاني.؟ وراحت في نوبة بكاء هستيري مؤلم.

بَعدَنا مَن يَقصد الكروم.. مَن يَملأ السلال.. من يَقطف الدوالي
بَعدَنا هل تنزل النجوم.. تلهو على التلال.. في هدئة الليالي

حاولتُ تهدئة البركان الثائر أمامي، لكن كلماتي المواسية لم تجد طريقاً إلى مسامعها، وتَطَلعَتْ إلى وجهي، فانهار تماسكي الهش.. فَضَحته دمعات هاربة، فَمَسَحتها بكفها، وقالت وقد تملكها يأس قاتل:
لقد ذهب الفستان الوردي إلى غير رجعة يا صديقي، فأنا لن أرتديه.. وأنتَ لن تكتب إليه قصائدك، حزينة أنا، وشقيّة أحلامي.

وَدَّعنا لقاء الساعة الخامسة.. هي تتلفَّتُ إلى الواجهة بحثاً عن معجزة.. وأنا أرصد في عينيها بصيص أمل بلقاءٍ آتٍ، ربما أمام واجهة متجرٍ آخرْ.



ثرثار، زاوية "كلمتين وبس"، (فستاننا الوردي)

خاص: نساء سورية

التالي
« السابق
الأول
التالي »

تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon