عمل الأطفال في سورية.. بين العمل العادي وأسوأ أشكال العمالة..


هنا على مقربة من الجامعة يجلس ذلك الطفل (خالد) على كرسيه الصغير حاملاً فرشاة الأحذية وأمامه صندوق البويا منادياً للمارة عارضاً خدمته بمسح أحذيتهم مقابل بضع ليرات، هكذا طوال النهار وأكثر الليل، بملابسه المهترئة ووجهه الشاحب الذي غابت عنه الطفولة ليظهر مكانها علامة قسوة العيش والحزن الذي لم يستطع إخفائه....إنه من أسرة فقيرة كثيرة العدد يعمل والده عتالاً وأمه في ورشة خياطة، أما إخوته فمنهم ما زال في المدرسة ومنهم من تركها للتخفيف من الأعباء المادية. كان يحب الدراسة ومن الممكن أن يكون له مستقبلاً باهراً وهذا ما لمسناه من خلال التحاور معه ، لكن الفقر دفعه إلى ترك المدرسة والتوجه نحو هذا العمل المضني الذي لا يحتاج أكثر من صندوق وكرسي .

وللطفل (محمد رمضان) قصة أخرى، فهو يبيع العلكة وعمره لا يتجاوز التسع سنوات، سربه أبوه من المدرسة ووضع بين يديه علبة العلك وأمره بالتجول بين الناس يستعطفهم لشراء ما لديه. يقول (محمد): "أبي و أمي مطلقان وكلاهما متزوج وأنا وإخوتي الثلاثة نعيش مع أبي وزجته ودائماً يقول لي أبي إنك رجل ويجب أن تعتمد على نفسك وأن تساعدنا، ونحن لسنا مسؤولين عنك، وفي اليوم الذي لا تجلب به المال لا تعد إلى البيت. وأنا أخاف أن يضربني إذا لم أبع كل علب المسك التي عطاني إياها، وإخوتي أيضاً يعملون _ الكبير في ورشة سيارات والأصغر مني يبيع المحارم، أما أصغرنا فما زال في المدرسة".

يحلم (محمد) بأن يجلس يوماً بكامله في البيت وألا يضريه والده.

هذه عينة عما في المدن، أما في القرى فمن المألوف وجود أطفال يعملون بالزراعة يساعدون أهلهم أو يعملون بالفاعل في أراضي قريتهم أو إحدى القرى المجاورة، ويستبق الملاكون على جلبهم لأن أجرتهم أقل من الكبار.يقول (علي فاضل) وهو طفل في الحادي عشر من عمره:"إنني أصحو منذ الساعة الخامسة صباحاً لأستطيع أن أصل في الوقت المناسب إلى القرية المجاورة للعمل فيها، أعمل في قطف الثمار أحياناً وأحياناً أخرى أعتل صناديق الفواكه لأحمّلها على ظهر السيارات، وهكذا طوال النهار إلى أن تغيب الشمس فأعود إلى قريتي، أما يوميتي فهي (150)ل.س وهذه أقل من أجرة الكبار (250)ل.س. وأنا لست لوحدي فيوجد الكثيرين مثلي و أصغر مني. إننا نعمل في الصيف فقط أما في الشتاء فنذهب إلى المدرسة وهذه أسعد أوقاتي، فالدراسة أسهل بكثير من العمل".

هذه بعضاً من النماذج التي يطفح بها مجتمعنا السوري وغيره من بلدان العالم الثالث فعمالة الأطفال باتت من المشاكل المهددة للتطور والنمو الاقتصدي والاجتماعي في البلدان التي تعاني منها وهذه مشكلة متفاقمة فحسب تقرير منظمة العمل الدوليّة يعمل في البلدان النامية (120) مليون طفل بدوام كامل، وإذا أضيف المداومون جزئيّاً يصبح عددهم (250) مليون طفل وهم يسببون خسارة اجتماعية و إنسانية كبيرة ومشاكل اقتصادية فالفوائد الاقتصادية التي تجنى من إنهاء عمالة الأطفال تقدر ب (5) آلاف مليار دولار حسب تقرير منظمة العمل الدولية.

ومن جهة أخرى يعتبر عمل الطفل انتهاكاً صريحاً لأحد حقوقه الذي يقتضي حمايته من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجّح أن يكون خطيراً أو يمثل إعاقة لتعليم الطفل أو يؤثر على نموه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي فكيف إذا كان استغلال الأطفال قائم على أسوأ أشكال العمالة كالزراعة و جمع القمامة؟

ونظراً للآثار السلبية الناجمة عن عمل الأطفال التي لا تقف عند إعاقة تطوره الجسدي والذهني أو دفعه إلى تعلّم سلوكيّات خاطئة كالتدخين والخداع والمراوغة وغيرها من الأمور بل تتجاوزها لتؤثر على المجتمع ككل، يتوجب على الجهات المعنية اتخاذ تدابير التشريعية والإدارية التي تكفل الحد من عمل الأطفال، وفي سورية اتخذت مجموعة من التدابير لكن هل كافية للحد من هذه العمالة؟

تقول المحامية (أمل يونس):"عملت قوانيننا المحلية على تحديد السن لعمالة الأحداث وذلك حسب المادة (124) من قانون العمل الموحد لعام(1959م) والتي أقرتها ب (12) عاماً مع جواز المنع من قبل الشؤون الاجتماعية لمن هم دون (15) عاماً لبعض الصناعات مع تعطّل هذه الصلاحية حين حصول الحدث أو وليه على تذكرة عمال تثبت مقدرته الصحية على القيام بالعمل أي بقيت السن المحددة قانوناً هي (12) عاماً. وحين جاء التعديل الأخير حول عمل الأحداث جاء ليعدل بمواد قانون العمل الموحد ولم تعدل مواد قانون العاملين الأساسي واحكامه بهذا الخصوص فكان النص على منع تشغيل الأحداث قبل تمام سن ال (15) سنة منعاً باتاً في قانون العمل الموحد وظل قبل تمام سن ال(12) في أحكام قانون العمل الأساسي وهذا يشكل فجوة تشريعية كبيرة مجحفة بحق الطفولة تستوجب الحل السريع ويلزم تداركها في التعديل الجاري لقانون العاملين الأساسي.

لذلك يتوجب توحيد الحد الأدنى لسن تشغيل الأحداث في كافة تشريعاتنا المحلية وجعلها تمام الثامنة عشر بما يتلاءم مع مصلحة الحدث واستمرار بقائه ويكفل حمايته من كافة أنواع الاستغلال والنص على ذلك صراحة دون ترك المجال لموافقة الأهل أو الوزير أو الجهة الصحية المختصة حيث مصلحة الطفل الفضلى هي التي يجب أن تنطلق منها التشريعات فالحدث قد يكون قادراً على حمل أكثر من (15كغ) مثلاً فهل نسمح لهم لمجرّد القدرة ونشغلّه هادرين حقه في الحياة والنمو في العلم واللعب مستغلين قدرته البدنية معرضين صحته ونفسيته للضرر والإيذاء أما من ناحية العقوبة الجزائية وهي حالياً غرامة لا تتجاوز (1000)ل.س فإني أرى أن مخالفة أحكام هذه المواد إجراماً خطيراً ويشكل ضرراً كبيراً يحيق بالحدث أولاً وبالأسرة والمجتمع فهل نعاقب عليه بالغرامة (1000)ل.س؟ سؤال يطرح نفسه هل من الصعوبة على رب الأسرة أو صاحب معمل يدرّ عليه تشغيل الحدث أرباحاً ويشكّل له مورداً مالياً دائمًا أن يدفع غرامة (1000)ل.س؟ إن هذه العقوبة تتنافى مع العدالة القانونية والمبدأ القانوني بوجوب جبر الضرر.

لذلك يجب جعل هذا الفعل جنحوي الوصف بحد أدنى للعقوبة حبس ستة أشهر إلى ثلاث سنوات مع إغلاق المحل الذي عمل فيه الحدث لمدة سنة لردع ظاهرة خطيرة على جيل ناشئ وعلى بنية مجتمعية كاملة مع ضرورة تطبيق العقوبة الجزائية المنصوص عليها في قانون إلزامية التعليم للحد من ظاهرة التسرب من المدارس وفي ذلك كل العدل".

20/2/2005

جريدة الثورة

التالي
« السابق
الأول
التالي »

تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon