الانتهاطات الجنسية ضد الأطفال..


د. فيوليت داغر
خصصت قناة الجزيرة حلقتها الماضية من برنامج "للنساء فقط" (17-1-2005) لموضوعة العنف الجنسي الممارس ضد الأطفال (اقرأ المقال..). وهي مشكورة على ذلك حيث عادة ما يغلب في المنطقة العربية تفادي الغوص في موضوع شائك من هذا النوع على مواجهته بجرأة وموضوعية. مع فتح باب النقاش، وجدت نفسي كناشطة في حقوق الإنسان ومختصة في علم النفس مدعوة للمساهمة فيه، نظراً لضرورة تحسيس المواطن بأبعاد وجوانب إشكالية في غاية الحساسية، خاصة وأنه تصح فيها وبدرجة عالية قولة "الوقاية خير من قنطار علاج".

إذا كانت هذه الإشكالية من التابوهات التي يصعب التطرق لها، فلأن ذلك يعود للمفاهيم الشائعة في المجتمعات العربية بما يخص الأسرة وقدسيتها أولاً، وما يتعلق بمقاربة موضوعة الجنس ثانياً. ما يعقد الأمر أكثر هو أن يكون الطفل هو الضحية، وأن يجد

المختص والعامل في هذا المجال من الجرأة ما يدفعه للإدلاء بالحقيقة دون مواربة مهما كانت النتائج.

مفاد هذه الحقيقة أن الانتهاكات الجنسية يتسبب في معظمها أشخاص مقربين من الطفل. بما يغمز بالدرجة الأولى للأهل ومسئوليتهم المباشرة في ذلك: أكان ذلك بإغماض العين أو عدم التنبه أو الفعل المباشر اللا مسؤول وغالباً اللا واعي في التسبب في هذه الانتهاكات. خاصة إن علمنا بأن نسبة كبيرة منها ليست ممارسات عابرة وإنما متكررة، وأن صغر سن

الطفل لا يشفع له بالاتقاء منها بل أحيانا العكس.

فالمعتدي غالبا ما يستند على عدم مقدرة الطفل على البوح بما يعجز عن فهمه، ويتكل على عامل الخوف لديه وشعوره بالمسؤولية تجاه ما يحصل له، وتأثير ذلك على عدم رؤية نفسه كضحية. ذلك بالإضافة لرغبة الطفل في حماية من يفترض أنه يحميه ويحبه بالسكوت عنه.

من الأهل والأقارب من لا يدع مجالاً للشك بسلوكياته. ومنهم من باسم الحب وواجب التنشئة يسيطر على الطفل وما يتعلق به بشكل ينتفي معها كإنسان قائم بذاته له كيانه وكرامته واستقلاليته. بغض النظر عن الذين يشكون من مرض نفسي أو تخلف

عقلي ظاهر، هناك من لا تبدو عليهم بوضوح علامات الاضطراب هذه. لكنهم يتظلمون أبناءهم ويتشددون في تربيتهم خوفا من فقدان موازين القوة لصالحهم ضمن علاقات سلطوية. ولانعدام ثقتهم بأنفسهم ولصورتهم السلبية عن ذاتهم، يختبئون وراء حصون يعتقدون أنها تحميهم، قد تكون علامات فارقة اجتماعية أو اقتصادية أو علمية وما إلى ذلك.

ما يهمنا هنا خاصة هو تحليل الإشكالية وليس إلقاء التبعات أو تجريم أشخاص بعينهم هم بدورهم ضحية لأعمال عنفية، قد تكون جنسية، مورست ضدهم على الغالب في صغرهم. هذه الأعمال، التي لم يتوفر لهم في حينها الإفصاح عنها ومعالجتها، وجدت عند البعض طريقها للتعبير عن نفسها في تكرارها على من هم في وضع أضعف. ذلك في محاولة لا واعية غالباً للتخلص

من كابوسها الذي يلاحق ضحيتها طوال حياته. يفرض المعتدي هذه الانتهاكات الجنسية على من هم دونه سناً (أحيانا قد لا يكون الفارق كبيرا مثال الأخوة) بالقوة وبحيث لا يكون من إمكانية لمقاومتها أو تحملها أو حتى فهمها. وللقيام بفعلته، هناك من لا يلجأ للعنف وإنما المداعبة والملاطفة والتحبب والإغراء بما هو متاح. بحيث يشعر الطفل أنه قد تورط بعلاقة لا يستطيع دفعها أو الإشهار بها، خاصة عندما يكون ذهنه محشو بالكثير من المحرمات حول ما يخص المسائل الجنسية.

وبالأحرى، عندما يكون الأهل والأقارب هم المعنيين بذلك، في حين يفترض بهم أن يكونوا المثال الذي يحتذى عند الطفل.

ما يجدر الإشارة له هو أن الانتهاكات الجنسية ليست فقط الأعمال التي تؤذي البدن عبر المس بالأعضاء الجنسية أو العبث بها. هي تتعدى ذلك إلى إشراك حواس أخرى كاللمس أو النظر أو حتى السمع. من هنا نفهم أن تشمل هذه الانتهاكات الجو المنزلي السائد.

أي ما يقال وما يمارس أمام ناظري الطفل من طرف أهله، في الوقت الذي ليس له أن يرى أو أن يسمع هذه الممارسات. بحيث تعتبر تعدياً سافراً على حميميته وعلى إمكانياته في فهمها وتحملها. بهذا المعنى أيضاً، تشمل ممارسات الأهل الذين لسبب أو لآخر، غالباً لا واعي، يضعون طفلهم في غير مكانه ويحملونه ما لا يسمح به عمره باستيعابه: كأن يداعب جسد الطفل وخاصة أماكن الإثارة فيه بشكل غير طبيعي، خاصة من طرف أمه التي قد لا تعتبر مسلكها مسيئا له عندما تعنى به، أو أن يعتاد على رؤية العري، أو أن يشاطر والديه سريرهما في الليل، أو أن يأخذ فيه مكان أحدهما وإن بشكل رمزي، الخ.باختصار، هي تشمل كل ما من شأنه أن يسمح لمخيلته بافتراض وجود اعتداء جنسي عليه، حتى ولو لم تصدر هذه الأعمال عن سابق إصرار وتصميم ورغبة في الإيذاء. ففي حين لم يتنبه الأهل إلى أن ما فعلوه قد أضر بأطفالهم لدرجة كبيرة، يكون المعيار هو السلوكيات التي لم تحترم جسده باعتباره مباحا لمن هم أكبر منه بحجة صغر سنه والاعتناء بجسده . وهذا ما اكتشفه المحللون النفسيون عند مرضاهم الراشدين في معرض علاجهم من أمراض نفسية أو جسدية لم تبدو للوهلة الأولى بعلاقة مع الانتهاكات الجنسية التي تعرضوا لها في صغرهم.

لقد أظهرت دراسة ميدانية تناولت رجالا أودعوا السجن بسبب اعتدائهم الجنسي على أطفال، من بينهم أطفالهم، أنهم لم يشعروا لحظة بأنهم انتهكوا حرمات جسدهم. عندما كانوا يعتنون بهم، كانوا يشعرون بأن أجسادهم الطرية تدعوهم لإغداق المداعبات عليهم، حيث ترآى لهم جسد طفلهم وكأنه جزء من جسدهم. مما حدا بهم لمضاعفة المداعبة والاستجابة لمشاعر وأحاسيس جسدية طغى عليها الشعور بأن الآخر هو جزء من الذات. لكن هذا الآخر تنقصه الحصانة التي تجعله منيعاً عليهم.

إذا كان الطفل بحاجة لتنشئة سليمة يفترض أن تتم على يدي والديه منذ مقتبل عمره، فماذا لو كان هؤلاء الأشخاص يفتقدون للمقومات النفسية الضرورية والضوابط الأخلاقية الأساسية ؟ من المعلوم أنه عندما تحدث هذه الممارسات داخل الأسرة يكون من الصعب جداً على الطفل ردها، ويصبح تكرارها أمراً مدمراً له يؤثر لحد كبير على نموه النفسي والجسدي.

والأخطر من ذلك هي عندما تتعدى آثار السفاح الشخص الواحد، بحيث ينتقل تأثيرها لأجيال متعاقبة. بمعزل عن السفاح، تبقى في البلدان العربية الانتهاكات الجنسية التي يتعرض لها الطفل بشكل عام من المسائل التي يغلب عليها طابع الكتمان والسرية

والشعور بالعار من فضحها والإعراض عن الالتجاء لمعالجات نفسية لنتائجها. لكن لو وجدت هذه الموضوعات طريقها للتداول أكثر مما هي عليه الآن لتعرف الطفل على ما يسمح له بتجنب الوقوع في شركها. كما يمكن له أن يجد في أشخاص آخرين يحيطون به من هم قادرين على العناية به ومساعدته ومن هم جديرين بإعادة ثقته بنفسه بإغداقهم عطفهم وتفهمهم له. بحيث يشعر أن ليس كل البشر سيئين وأن هناك من هم جديرين بمحبته ويستحقون ثقته، كما ويمكن أن يعيدوا له قدرته على الثقة بالبشر والتفاؤل بالإنسانية.

منذ اللحظة الأولى للصدمة تتفاعل المتناقضات في داخل الطفل بحيث تختلط في ذهنه المحرمات بالمباح. تداس حميمية جسده التي يفترض أن تكون مصانة وتتكسر في نظره القواعد الأخلاقية والأعراف الاجتماعية التي بدأ يشعر بسلطانها. وكما تتزعزع ثقته بالكبار وبمن هم جديرين بحبه وثقته، تختل ثقته بنفسه وتتشوه نظرته لذاته وعلاقته بجسده (يظهر ذلك جلياً عند من يحاولون الانتحار لهذا السبب أو يمتهنون بيع جسدهم). إنه يطال بشكل كبير أولئك الذين تم الاعتداء على حرمات جسدهم وهم في سنوات عمرهم الأولى، وإجمالاً قبل مرحلة الكمون. لتحمّل وطأة العلاقة الكابوسية ودفع آلامها، منهم من لجأ للفصل بين ذهنه وجسده بعملية دفاع عن النفس تستعير من عناصر الآليات الذهانية الشئ الكثير. أي ما ينتج عنه خلل في العلاقة مع الواقع، غالباً ما يلازم المرء طوال العمر ويقود به للهذيان ولتصور أشياء ليست من الواقع وإنما مصدرها مخيلته.

وحتى في حال لم تصل الأمور لهذا الحد، يمكن أن تتولد علاقة مرضية مع الذات والآخر تظهر في سلوكيات مختلفة غير عادية. من هذه السلوكيات تعاطي المخدرات أو الكحول أو الممارسات الإيمانية غير العادية وكل ما من شأنه أن يجنب وطأة الواقع

بالالتجاء له للهروب من المشاعر المدمرة التي تلاحقه.

في كل الأحوال، لا بد أن تظهر أعراض على الطفل لا يمكن تجاهلها لمن يبصر أو يتحلى ببعض الحس السليم. خاصة عندما يتغير السلوك بشكل مفاجئ دون إمكانية رده لشيء معين واضح. فالطفل قد يصمت على ما أصابه، لكنه بالضرورة يعبر بجسده وسلوكه عما لا ينطق به. كما يعبر عنه في لعبه وفي رسومه وما يصدر عنه. لكن المشكلة هي في أننا لا نريد رؤية ما يزعجنا ونعرض عن مواجهة الحقائق المؤلمة متجنبين ظلم تأنيب الضمير.

جسد الطفل يبقى شاهداً على الجريمة، كأن يكثر تواتر الأمراض أو الأعراض مثلاً دون سبب واضح. أو يظهر تراجعا في سلوكيات كان قد تجاوزها بسبب نضجه، مثل العودة للتبول أو التراجع في النطق أو في مواضع من الجملة العصبية العضلية. كما يمكن أن تتراجع علاماته المدرسية وإمكاناته الإبداعية، حيث تترك الصدمة بصماتها على نموه وعلى قدرته على التركيز والتذكر والحفظ. كذلك يمكن أن يظهر اختلالا في التعاطي مع الأكل والنوم بالإعراض عنها أو في زيادتها بشكل غير مبرر. أو أن يبدو غائبا ذهنياً يعاني من القلق والاكتئاب أو من الحركة الزائدة غير العادية والغضب والعدوانية تجاه الأخوة والرفاق وتجنب الراشدين. كما من المفترض أن تبدر منه تصرفات أو عبارات لها مدلولات جنسية لا تتناسب مع سنه تطال بخاصة من هم في عمره أو أصغر سناً.

في مطلق الأحوال، الآثار كبيرة ومدمرة لهذا النوع من الانتهاكات التي تطال أطفالا لم يتسلحوا بعد بالقدرة على الفهم والاستيعاب والتحمل. وإذا كانت الوقاية خير من قنطار علاج، فمن الضروري أن تتم معاملتهم بشكل تحترم إمكاناتهم التي هي في طور التشكل. وبالوقت نفسه يولى الاعتبار لما لديهم من قدرات كبيرة تستدعي التنبه لها وإبرازها لتنمو وتتطور.

فالطفل ينظر لذاته من خلال نظرة أهله له والمكانة التي يولونها إياه. وثقته بنفسه وتفاؤله بالحياة واحترامه لنفسه وحرصه على جسده تعتمد على تجاربه مع من يفترض بهم تنشئته التنشئة الأولية السليمة، إلى جانب المدرسة والمؤسسات الاجتماعية الأخرى في حال وجودها. واجبهم تجاهه يفترض بالتالي النقاش معه في هذه الأمور بحيث يفتحون عينيه على ما يمكن أن يعترض طريقه من مخاطر. ليدعونه يشعر بأنهم سند له في كل ما يواجهه دون أن يخاف منهم ومن مكاشفتهم إن نزل به مكروه. هذه الثقة به تساعده على حماية نفسه والدفاع عنها والاستعانة بهم عند الصدمات. خاصة إن تعلم أن لجسده حرمته، وليس لأحد الحق في لمسه أو التصرف به من غير رغبته، حتى ولو كان ذلك مساعدته في ارتداء ملابسه أو أخذ حمامه.

الطفل لا يكذب عادة في هذه الأمور. وهو إن ألمح لشيء، على الراشد الاستماع له واحتضانه وإفهامه بأنه غير مسؤول البتة عما جرى له. كذلك يجب عدم إضافة تعبيرات على ما نطق به كي لا يحمَل ما ليس مسؤولاً عنه. يجب مساعدته دون تأخير لوضع الأمور في نصابها ومعاقبة الجاني كون الاقتصاص منه ضرورة ماسة للبدء بعملية تأهيل الضحية واسترداد ثقته بمجتمعه وانخراطه به دون كبير مشاكل. كذلك لقطع الطريق أمام الجاني على ارتكاب مزيد من المظالم والانتهاكات بحق آخرين. وإلا فالاحتمال كبير بالانتقام من هذا الواقع بارتكاب أفعال قبيحة تجاه من ليسوا مسؤولين عما حل به.

أخيراً وليس آخراً يبقى السؤال: هل بات الوضع ملائما اليوم لمواجهة هذه المشاكل بجرأة وجدية، أم ما زالت البيئة الاجتماعية عاجزة عن مواجهة الواقع بفعل ضغط المحرمات والممنوعات والتركيبة البنيوية للمجتمعات العربية ؟

د. فيوليت داغر: باحثة جامعية لبنانية، رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان.

1/2/2005  

الرأي


 

التالي
« السابق
الأول
التالي »

تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon