وحدها بعد غيابه..

 خاص: "نساء سورية" 

ألقيت هذه المحاضرة في المنتدى الاجتماعي بدمشق، مساء يوم الإثنين 30/1/2004، بحضور عدد كبير من المهتمين والمهتمات الذين ساهموا في إغناء النقاش حول القضية المطروحة في المداخلة. كما شاركت بعض السيدات في عرض تجاربهن في هذا الإطار- "نساء سورية"

أين بابا؟ إنه مجرد سؤال طفل يبحث في أرجاء البيت عن أبيه، لكنه من أكثر التساؤلات الملحة التي يطرحها الأبناء في بيوتهم، إن لم يكن أهمها على الإطلاق : أين بابا؟ متى يعود؟ أين ذهب؟ لما ذا تأخر؟ لماذا لا يعيش معنا؟.. الخ.
ثمة أسبابٌ كثيرةٌ وظروفٌ مختلفة تقف وراء مشهد غياب الأب عن المنزل، وما يتركه من انعكاسات سلبية التأثير على المبنى الأسري.. ويعتبر الموت في مقدمة هذه الأسباب المتعددة، إن لم يكن أخطرها وأقساها، وهو النهاية الطبيعية الحتمية -عاجلةً أو آجلة - للمخلوقات كلها..
ويتحقق غياب الأب بالسفر، إما من أجل تأمين العمل الأنسب، أو متابعة الدراسة والتخصص، وربما يكون سفراً في مهمة مهنية، أو غياباً في تأدية الخدمة العسكرية،..وقد يكون الطلاق سبباً، أو الهجر مثلاً.. أو غياباً شبه متواصل طيلة ساعات النهار سعياً في الجهد والعمل.. وهناك أسبابٌ غير أخلاقية، كتغيبه المتكرر في تلبية نزوات وملذات شخصية، إضافة إلى سبب غير مألوف، كتواجده في البيت غائباً عن أسرته، متجرداً عن حمل المسؤولية، قعيد الفراش، لمرض أو لتمارض، أو للتكاسل وعدم الاكتراث..الخ.
البعض يعتقد أن الأبناء هم ضحية هذا الغياب، والآخرون يظنونها الزوجة (أمّ الأولاد)،..التي يترتب عليها رعاية أسرتها بمفردها وقيامها بحمل الأعباء العائلية وحدها، لكنّ الحقيقة التي يجمع عليها الأغلبية هي أنّ الجميع يعاني ويضطرب متى حدث هذا الغياب..ولا يقلّ غياب الأمّ عن أسرتها وأولادها خطراً وأهميةً عن تغيب الأب..لأنّ كلا ً منهما يشكل دعامةً رئيسةً ضروريةً لا غنى عنها في رفع الصرح العائلي.. وتمتين أساسات بنائه، فالزورق في خضم البحر المتلاطمة أمواجه، الهائجة رياحه، ما أشدّ حاجة ملاحه إلى المجدافين كليهما، للتجديف بهما معاً، كي يتمكن من مواصلة الإبحار واجتياز الأخطار، للوصول إلى برّ الأمان بنجاح وسلام..
إنه حال الأسرة، التي يحتاج أبناؤها إلى الأمّ والأب كليهما معا لمتابعة حياتهم بصحة وتوفيق وأمان، فإذا ما تخلّف أحدهما عن القيام بأعبائه ودوره الهام، تعذّر إدراك الغاية المنشودة وتحقيق الكمال.
إنّ كلّ فرد منا، ينتمي إلى أسرة ما، وما الأسرة إلا خليّةٌ متناهية الصغر، تتآلف وتتجمع في تشكيل نسيج اجتماعي كبير متميّز، يختلف عن غيره من التجمعات البشرية التي تعيش على سطح المعمورة..
وهذا المجتمع له دوره الهام وموقفه المؤثر في بناء الأسرة وتوجيهها. ومن المفيد في هذا المجال تسليط الأضواء على بعض المتاعب والقضايا التي تعرقل قيام المرأة وحدها بأعباء العائلة، وتشلّ مقدرتها في ترميم الصرح الأسري حين غياب الشريك.
إذا تساءلنا: ما أكثر ما يؤذي الإنسان ويكبّل اندفاعه وحماسه في القيام بدوره وواجباته؟ لوجدنا الإجابة تدور في فلكّ الشك. أجل! شكّ الآخرين في قدراته وعدم الثقة في إمكانياته، فكيف بالحال إذا كان الأمر يتعلق بالمرأة؟ المرأة الواقعة تحت تأثير ذريعة مفتعلة واهية، مفادها أنها جنس ضعيف، قاصرة التفكير،جبانة، تحكمها عواطفها، وقراراتها خاضعة لسلطان القلب لا العقل. هنا! لا بدّ من العودة إلى دراسات إنسانية نفسية، والتذكير باختبارات وإحصاءات عكست هذه المزاعم المغرضة، وألغت مفاهيم مهينة للمرأة.. فالمرأة ما كانت ولن تكون أضيق فكراً وأقلّ تعقلاً وقوّة من الرجل حين تتساوى معه ثقافة وفرصةً.. والطريف أنّ بعضهم يرى الرأس الكبير مقياساً للعقل الكبير، والعكس بالعكس ،،متجاهلا أن كلّ عظيم تقف وراءه امرأة عظيمة، متناسياً أنّ قوة احتمال آلام المخاض ومتاعب الحمل والإرضاع مثلاً يعجز عنها كبار الشجعان، لا سيّما وأنّ المرأة بقوتها وجرأتها وصبرها لا تمانع في تكرارها وتجديد تجربتها متحدّيةً كلّ الصعاب والأخطار0
إنّ الأزمة تتفاقم والعناء يشتدّ في ما لو كانت امرأةً عاملةً لها كيان ومسؤولية خارج منزلها، كما لها أبناء يحتاجون إلى تجنّدها وتفرّغها الكامل لهم وحدهم، وربما في مراحل عمرية حرجة، ما بين الطفولة الشديدة التعلق بها، في أوج نشاطها وحنانها، ومرحلة المراهقة الكثيرة الحاجة إليها في ذروة الحلم وذكاء التأقلم والخبرة.. وقتئذ ستعلن وداعها لراحة الأعصاب واحتياجات النفس..وترحّب بواجب الأمومة وفرح العطاء.
ترى! إذا قدّر لها التمكّن من تذليل العقبات، ساعيةً إلى بذل كل جهد وإمكانية لتملأ الفراغ الذي أحدثه غياب ربّ الأسرة، فاجتازت امتحاناً معقّداً انتهى بنجاحها في حمل مسؤوليتها كاملة، ترى!! هل ستنجو من الغيرة والإساءة؟ هل ستكون في منأى عن كيد الحاقدين وحسد التافهين والمتطفّلين؟؟
من المؤسف أنه لا الشجاعة ولا العلم، لا الموقع الاجتماعي ولا المكانة الوظيفية التي تتبوؤها، لاشيء من هذا أو ذاك قادر على إسكات ألسنة العابثين والمفسدين، الذين تضرم في صدورهم نار الأثرة والطمع والأذى.. فيا لكثرة النماذج والأمثلة التي تنتشر في مجتمعنا، تتطابق ـ لسوء الحظ ـ مع مثل هذه الظواهر المريضة..
فثمة طبيبةٌ ذات اختصاص مرموق، علّقت لافتة تحت نافذة عيادتها الملحقة ببيتها المتواضع، ما كانت لتدري أنها بذلك استفزّت طليقها وأثارت نقمة أهله وبعض الجيران، فلدى عودتها من المشفى، ذات مساء، فوجئت باللوحة محطمةً، قرب سور المبنى، مكوّمة الأشلاء، وبضحكات شامتة تنبعث من إحدى الشرفات..
حالة أخرى تذكر في هذا الصدد، حالة المرأة التي تربي أولادها وحيدةً، فهي دائمة الشعور بالقلق، لأنها مدانةٌ أمام المجتمع، الذي نصّب نفسه الوصيّ الأول، بل الرقيب المطلق التصرّف في جلّ شؤونها، يحاكمها بقسوة وظلم، يحاسبها بخشونة لدى أقلّ هفوة تلقائيّة.. أجل!! فللإنسان أخطاؤه في الحياة، مقصودةً كانت أم عفويةً، لكنّ حكم المجتمع يمسي أكثر قسوةً وأشدّ وقعاً عندما يكون هذا الإنسان امرأة! امرأةً تقوم وحدها في رعاية أسرتها،.. وربّ امرأة تركت دراستها بعد الزواج، لتتفرّغ تماما لتربية بناتها ورعايتهن على أكمل صورة وأحسن خلق.. لزمت بيتها ونمّت ثقافتها لتتواصل مع كلّ جديد ومتطور، وتقدّم لهن ما يلزم من مساعدة ودعم في الدراسة والحياة، حتى حصلن على أرقى التخصصات، متمتعات بعطر السيرة وطيب الأخلاق، في غياب زوج يعمل خارج البلاد، غياباً يكاد يكون متواصلاً، حتى إذا أعياه التعب وأقعده العمر عاد إلى زوجته وبناته، إذا بالأقرباء والأصدقاء يتوافدون إلى بيته يطلبون ودّه أو الزواج من بناته، يباركون فيه حسن إدارته الأسرية، يثنون على نجاح رعايته، مفاخرين بثمراته الجيدة، بدوره الناجح في تربيته المثالية.. متجاهلين من كانت وراء هذا الشرف العظيم..لا!! لم يذكرها أحد قط! ولن يذكرها، لكن! ويا للأسف! ما أن يشعر امرؤ، أنّ أماً من الأمهات، ولسبب ما، عجزت وحدها عن حمل أعباء أسرتها ورعاية أولادها رعايةً صحيحةً تامة، حتى يسارع إلى تجريحها والطعن في قدراتها والتشكيك في خلقها ومسلكها، لتأكل وحدها فقط، ثمارها فاسدة متعفّنة. ويزداد الأمر ضراوة ومهانة مع امرأة، تبوّأت موقعاً مهنياً عالياً، أستاذة جامعية، قاضية، وزيرة، مديرة..لأنها ما زالت في نظر المجتمع امرأة قاصرة عن امتلاك زمام أمرها، عاجزة عن تقرير مصير أولادها، كالبتّ في إجراء عمل جراحي طارئ، أو البتّ في تزويج بناتها، في السفر، في الانتقال إلى بلد آخر..أجل.. ليس في مقدورها التصرّف في شؤون حياتية هامة ما زالت حكراً على الرجل، حتى لو كان أقلّ علماً أو أصغر سنّاً..لكن ـ وإنه لأمر غريب حقّاً ـ بإمكانها التدخّل مهنياً، كقاضية أو كمحامية مثلاً، في شؤون أولاد غيرها، ويكون أمرها نافذاً محقّاً، فقط، في المجال الخارج عن مجال أسرتها الخاصة. لماذا؟ لأنها في بيتها، امرأة مجرد امرأة..ما زالت تنتظر من المجتمع أن يمنحها الثقة.. ومن القانون أن ينصفها.. ويقلّدها الحق في تقرير المصير، ندّاً للأب في الأسرة..
بل إن هناك فئة من النساء العاملات، عاجزات عن امتلاك حرية التصرف بأجورهن، لأن بعض الرجال أو الأزواج يطمعون بأموالهن، ويسيل لعابهم عند رؤية الأجور تتدفق مع كل شهر إلى حقائبهن.. يلازمون بيوتهم بحجة انتظار فرص الحصول على عمل لائق مناسب، فيتراخون ويتكاسلون، ثم ينقضّون على آخر قروش المرأة المكافحة بذريعة القوامة عليها، والثقة الزائدة بقدراتهم الذكورية، وخبراتهم التسلطية، من أجل التفرّد بالإنفاق على الأسرة والأبناء، على طريقتهم الخاصة ووفق حساباتهم هم..لأنها الأجدى والأنسب في نظرهم، إنه الرجل الغائب الموجود، الغائب عن حمل المسؤولية والقيام بالواجب، الحاضر في التطفل القسري والتحكم المادّي..
قلّةٌ من الناس تعرف حقيقة معاناة الأرامل والمطلقات، اللواتي يعشن بين ظهرانينا، ربما ندرةٌ من الناس تعرف أن بعضهنّ اضطررن للاحتفاظ بخاتم الزواج في الأصبع، رغبةً في تضليل الآخرين،هرباً من ملاحقة ذوي النفوس الضعيفة لهنّ ولأولادهنّ، دافعات أيَّ احتمال أذىً أو طمع عن بيوتهنَّ وشؤونهنَّ، لم يجدن بدّاً من اللجوء إلى تلك الادعاءات الكاذبة، وسيلة لتأمين الحد الأدنى من الحماية والأمن في غياب ربِّ الأسرة..أو ليست كلُّ أم ٍّ ـ وجدت نفسها في مثل هذا الوضع الحرج ـ مرغمةً على كبت أحاسيسها الخاصة وتنحية احتياجاتها جانباً..
ثمة سيدات ألفت غياب الزوج، لأسباب كيفما اختلفت وتعددت فالنتيجة واحدة..ألا وهي تحميل المرأة المزيد من الأعباء والمسؤوليات الجسام، لكن ! ماذا تنتظر في زوج مازال مرتبطا بأسرته، لكنه شرد عنها لينغمس في المتع الشخصية، لاهثاً وراء تلبية النزوات الشيطانية؟؟ ما الأمل في زوج يتنقل من بيت إلى بيت أو من غرفة إلى غرفة، ممارساً حقَّ تعدد الزوجات، وهواية إنجاب المزيد من الصبيان والبنات؟ ما الرجاء في رجل أبعدته الأسفار والأعمال خارج البلاد، حتى إذا اشتاق إلى عائلته، حلّ عليهم ضيفا، مجرّد ضيف، حلّ عليهم زائرا مترفا، مكرّما مدللاً، محمِّلاً زوجته همَّ التفرُّغ له، همّ تطفُّله الطارئ على نمط معيشتها، نظام تأقلمها، أولوياتها وشؤونها،.. فهو في حلِّه معها لا يرحمها ولا يقدِّر اضطراب مشاعرها، وفي ترحاله عنها لن يرحمها أبناؤه، لأنها ستكبت آلامها ومعاناتها عنهم، وتجاهد في إخفاء ضعفها، خشية إحساسهم بالخوف، بالاغتراب وعدم الاستقرار، إضافة إلى ضرورة مراقبة نفسها في إغداق الحنان، وتوخّي الاعتدال في إ ظهار المحبة، لأنّ الإسراف في العطاء مفسدةٌ كبيرةٌ خائبة..
إننا ومع بدايات الألفية الثالثة، نعيش قلقاً، فثمةَ ثورةٌ صناعيةٌ تكنولوجيةٌ حديثةٌ تستقبلنا، سريعة التقدم والنمو، مثيرةٌ في مخترعاتها، مدهشة في تطورها، وها هي الأمُّ التي تعيش وحدها مع أبنائها، تواجه اليوم مشاكل طارئة وافدة، وظواهر جديدة غريبة يصعب على رجال التكيف معها ومجاراتها، فقد فرض عليها إضافة لمسؤولياتها التاريخية، واجب الدخول إلى فضاءات حضارية مختلفة، واحتواء معركة العصر، للتأقلم مع المفاهيم المستوردة، واستيعاب تقنيات الغزوات الملحَّة، وإجادة التعامل مع أجهزتها المتجددة.. فما الحاسوب.. الإنترنت.. الفاكس.. الفيديو سيدي وغيره... إلا ضيوفٌ عنيدةٌ جريئةٌ تتطلََََّب منها عقلنة الترحيب مع التحلي بالحذر والفطنة وحسن التصرف، لأنها ـ كأمّ مسؤولة ـ لن تترك أولادها، جيل العصر، بمعزل عن أيِّ جديد، وراء جدران هذا المجال الهامّ الخطير.. الكثيرة مفاسده العظيمة فوائده..
فما أشدَّ حاجة الأمِّ، عاملةً كانت أم غير عاملة، وهي تواجه رياح الغلاء العاتية، ومصاريف المعيشة المرهقة، إلى رفع مخصصاتها المالية، لتتمكن من الإنفاق على من تحتضنهم، والعمل على ترميم ما أحدثه انسحاب أبيهم من حياتهم، ما أحوجها إلى إطلاق صيحة استغاثة! تستنهض الهمم، تطرق مسامع المؤسسات النسوية، وأبواب الهيئات والمنظمات المعنية بشؤون المرأة، تطرق أبواب مجالس القضاة، ما أحوجها إلى مكاتب مسؤولة متطورة، إلى لجان مدعومة متخصصة، تكلَّف بدعم الحاضنة، وتقديم المساعدات المالية والاستشارية، بما يتناسب وعدد الأولاد، ومستلزمات سكن دافئ لائق خاص بهم، يضمُّهم مع حنان أمهِّم، يكفيهم شرَّ التشرَّد والأذى بين بيوت الأقرباء والمتملّقين، إنها لمسؤوليةٌ مزدوجة، تحمل أعباءها شاءت أم أبت..لكنَّ نجاحها مرهون بدعم من حولها.. فاليد الواحدة لا تستطيع التصفيق..
أمام شاشات التلفاز تجلس المرأة ساعات طوالاً، مع أفراد أسرتها وربما وحدها، تراقب مذهولةً وتتابع مفجوعةً مشاهد متكررة متجددة لحالات النساء في فلسطين والعراق، اللواتي فقدن الأزواج، غاب عنهن الأبناء والرجال، شهداء تحت التراب المقدّس، أسرى في المعتقلات، نفيا خارج الأوطان، من أجل الكرامة والأرض، أمام هذه المشاهد المروّعة والمجازر البشرية المؤلمة، لا يسعها إلا أن تشعر بالحياء والحرج... لأنّ مشاكلها ستبدو هزيلة سطحية، لا تعادل مثقال ذرّة من أعباء الكفاح التي تحملها المرأة هناك، فوق كاهلها، بعد غياب الزوج عن المرأة والأولاد.. وتصدّع الأسرة والبناء.. إنهن النساء الأقوى، الأكثر جلداً ،الأقدر شجاعةً وتصميماً على ترميم المبنى، وتلقين الأخريات معنى العطاء وحقيقة التضحية..

دمشق 31/1/2005 

التالي
« السابق
الأول
التالي »

تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon