خطاب المرأة النهضوي في مواجهة التحديات


نصر حامد أبو  زيد
مشكلة خطاب النهضة للمرأة أنه خطاب سجالي ينتج مفاهيمه وعينه على مفاهيم نقيضه السلفي، وخاصة حين يكون الخطاب السلفي هو الخطاب السائد والمهيمن. هذا بالإضافة إلى أن خطاب النهضة بشكل عام خطاب غلب عليه طابع الانتقاء والتلفيق بصفة عامة. وهو طابع يوقعه في حبائل أطروحات الخطاب النقيض. وفيما يتصل بقضية المرأة لا نجد خلافاً جذرياً في التسليم بالفروق النوعية بين الرجل والمرأة، وبالتسليم بما يترتب على تلك الفروق من نتائج بين الخطابين. يقول العقاد مثلاً ـ وهو هنا يتحول إلى شاهد في نسق الخطاب الديني: "إن المراة لها تكوين عاطفي خاص، لا يشبه تكوين الرجل لأن ملازمة الطفل الوليد تستدعي شيئاً كثيراً من التناسب بين مزاجها ومزاجه، وبين فهمها وفهمه، وبين مدارج جسمها وعطفها ومدارج جسمه وعطفه. وذلك أصول اللب الأنثوي الذي يجعل المرأة سريعة الانقياد للحس والاستجابة للعاطفة. فيصعب عليها ما يسهل على الرجل من تحكم العقل، وتغلب الرأي وصلابة العزيمة. وهذا التكوين يساعد المرأة على أداء وظيفتها".
مشكلة مثل هذا الخطاب أنه ينطلق من خصائص مكتسبة سببها الانحباس داخل جدران البيت وملازمة الطفل. لكنه يحول تلك الخصائص المكتسبة إلى جبلّة ثابتة راسخة هي "لب" التكوين الأنثوي. والأخطر من ذلك أن تتحول هذه الخصائص للنفسية المكتسبة إلى صفات عقلية راسخة غير قابلة للتعديل. فتنحبس المرأة في سجن "العاطفية" وينطلق الرجل في آفاق العقل والرأي. لكن علينا على كل حال أن نضع خطاب العقاد في سياق "ارتداد" خطاب النهضة ذاته، وانتقاله من مرحلة الفتوة والنضارة إلى مرحلة الخفوت والاحتضار. هذا بالإضافة إلى ظاهرة ازدواج المثقف العربي بشكل عام فيما يتعلق بفهمه لقضية المرأة، إذ ارتهنت الدعوة إلى تحريرها لطابع نفعي مرتبط بحاجة المثقف إلى امرأة متعلمة تشاركه الحياة.
وقد كان متوقعاً من زكي نجيب محمد بعقلانيته الوضعية ـ خاصة وهو يعي الردة في عالم المرأة ـ أن يكون أكثر راديكالية في فهمه للفروق النوعية بين الرجل والمرأة. لكن خطاب زكي نجيب محمود قدّم في الحقيقة لنقيضه السلفي فرصة للنيل منه، بل ولاغتياله من جانبين: الجانب الأول، جانب النصوص الدينية، وهو الجانب الذي تجنب زكي نجيب محمود الخوض فيه دون أن يحرص على استبعاده من مجال النقاش.
وإذا كان زكي نجيب محمود بذلك الإقرار والإعلان قد كرّس مرجعية النصوص الدينية، فإنه قد منح بذلك خصمه سلاحاً فتاكاً للنيل منه. هذا هو الجانب الأول. والجانب الثاني الذي مكّن للخصم من اغتيال خطاب زكي نجيب محمود إقراره لا بالفروق النوعية بين الرجل والمرأة فقط، بل وتسليمه بالنتائج المترتبة على هذه الفروق اجتماعياً وثقافياً ونفسياً. يقول زكي نجيب محمود: "الفروق الظاهرة بين الجنسين ثلاثة: أولها: فروق في شخصيات الأفراد، من حيث هم أفراد، ثانيها: فروق في أساليب التعامل مع المجتمع، ثالثها: فروق في موقف كل من الجنسين في العمل على استمرارية الحياة". ثم يقول ـ ويوافقه الخطاب السلفي على ذلك تماماً ـ "وإذا نحن بدأنا المقارنة بين الجنسين من النقطة الثالثة الخاصة باستمرارية الحياة الإنسانية، وقعنا على اختلاف بينهما. وقد يكون هو المصدر الرئيسي، أو أحد المصادر الرئيسية التي منها يترع سائر ما قد نراه بين الرجل والمرأة من أوجه التباين. وذلك أن للمرأة دوراً في جانب تلك الاستمرارية، لا يقاس إليه دور الرجل ...
فمن هذه النقطة الأولية تنبثق أهم خصائص المرأة: فرداً وعضواً في المجتمع، لأنها نقطة تحتم عليها أن تميل إلى الحياة الآمنة لتوفر للأبناء مناخاً صالحاً يتربون في أمنه، حتى يبلغوا النضج. ولا كذلك الرجل، لأنه بحكم ضرورة أن يهيئ مقومات الحياة لهؤلاء الأبناء، قد يضطر إلى المغامرة، بل إلى القتال، مما ينتهي بالرجل والمرأة إلى مزاجين مختلفين في الأساس. المرأة تبسط جناحها في هدوء على ما هو موجود ليظل موجوداً، والرجل يصفق بجناحه ليطير. إن استقرار الحياة هو أساساً من صنع المرأة، والثورة على الحياة لتغييرها هي أساساً من صنع الرجل، ومن هنا تولدت فروق نوعية كثيرة في حياة كل منهما، ومن حيث هما فردان في حياة اجتماعية. والمرأة في الحب أصدق وأعقل وأذكى، والرجل في الكفاح أقوى وأشجع".
وما أسهل على الخطاب السلفي، وقد تحولت الفروق البيولوجية النوعية إلى فروق نفسية وعقلية وفكرية، أن يضغط على تناقضات خطاب زكي نجيب محمود. "كيف لا يتفوق أحدهما على الآخر، وقد قدرت ذلك بنفسك، وأيضاً: أليس العمل أحد توابع هذه الفروق، ... ألست تؤسس العمل على الحياة العقلية المشتركة بينهما لا على الحياة البدنية، وفي نفس الوقت تلومها على بعدها عن العمل المهني بصفة خاصة. أليس في ذلك التناقض والمغالطات خاصة إذا كتبها قلم فيلسوف وأستاذ، لا قلم تلميذ في السنوات الأولى بالجامعة؟!". ثم يرد الخطاب السلفي تلك الفروق كلها إلى أصل الفطرة والخلق الإلهي، نافياً عنها أي احتمال لكونها صفات مكتسبة: "أليست هذه الفروق بينهما هي من صنع خالقها؟!".
وإذ تقررت النتائج المنطقية الصورية لتأكيد الفروق النوعية البيولوجية بين الرجل والمرأة، وإذ تم توصيف هذه الفروق بوصفها فروقاً جوهرية راسخة غير مكتسبة، وإذ صارت فروقاً في أصل الخلقة، يصبح الاعتراض على عودة المرأة للبيت، والاعتراض على ارتدادها عن المشاركة في الحياة بالعمل على الأقل من قبيل "اعتراض الصنعة على صانعها، واعتراض المخلوق على خالقه، هذا فوق كونه مؤدياً إلى عرقلة استمرارية الحياة وفساد الكون، وظلم أحد الفرعين ـ المرء والمرأة ـ وظلم أحدهما ظلم لهما، فإنه اعتراض على الله سبحانه وتعالى مؤد إلى الكفر به، والعياذ بالله تعالى، فهل نقبل توزيعه للمسؤوليات بينهما. أو نعترض، ونوزع فنكفر، أو نطلب والعياذ بالله تعالى".
وإذا كانت حرية التعليم لا يمكن إنكارها، ولا يمكن إدخالها ـ مثل العلم ـ في دائرة "الضرورات" وذلك لتوافر النصوص الدينية التي تحض على التعليم وتجعله فريضة على كل مسلم ومسلمة، فإن الضوابط الحاكمة لتلك الحرية تدور كلها في إطار الاحتجاب عن الرجل وعدم الاختلاط معه: "أول هذه الضوابط (منع الاختلاط) بأي صورة وفي أي مرحلة، وتحت أي ظرف، فمضار الاختلاط لا يماري فيها إلا مكابر ذو غرض غير شريف وقصد سيئ، وثاني هذه الشروط (زي المرأة) الذي يحفظ كرامتها ويصون عفتها، بحيث يستر البدن كله ما عدا الوجه والكفين، على ألاّ يصف مفاتن الجسد ولا يشف عنها تحقيقاً لأمر الله تعالى ... وما ورد في القرآن الكريم بما لا يدع مجالاً لاجتهاد أحد".
ولا شك أن الاعتراف بحق المرأة في التعليم، هو الحق الذي توافرت فيه النصوص الدينية المقِرَّة، لا يريح الخطاب الديني تماماً وذلك لارتباط التعليم بالعمل. وما دام حق العمل يدخل في إطار "الضرورات" ـ من منظور الخطاب الديني ـ فقد كان من الضروري وضع الضوابط الكابحة لعملية التعلم ذاتها حتى تدخل في إطار تعلم الضروريات اللازمة للقيام بالدور، دور المرأة كما حدده الخطاب الديني في الأمومة والتربية والحفاظ على الأسرة ورعاية الزوج. من هنا يقول حسن البنا: إنه من الضروري "تعديل مناهج التعليم نفسها بما يتلاءم مع طبيعة المرأة، وخاصة في المراحل الأولى، على أنه يجب أن نفرق بين ثقافة المرأة وثقافة الرجل تفرقة غير متهمة، ولو عند التبحر والتخصص في بعض العلوم، فذلك أجدى وأنفع".
ويواصل أتباعه الحديث عن ضوابط التعليم بالنسبة للمرأة فيفرقون بين ما هو فرض عين وما هو فرض كفاية في تعليم المرأة. والمقصود بمصطلح "فرض عين" في الفقه الفرض الذي يتوجب القيام به على كل الأفراد دون إعفاء أحد منهم، إذاً المسؤولية في فروض العين مسؤولية فردية بحتة، أما "فرض الكفاية" فهو الواجب الذي يلزم أن يقوم به بعض أفراد المجتمع، أي أنه ليس فرضاَ عينياً على كل الأفراد، بل هو أقرب للواجب الاجتماعي. لكن هذا الفرض إذا لم يقم به بعض الناس تصبح المسؤولية الأخروية فيه مسؤولية جميع الأفراد. ومعنى تلك التفرقة في الحديث عن تعليم المرأة أن هناك نوعين من التعليم: تعليماً يجب أن تتلقاه كل امرأة، وهو التعليم الخاص بكيفية ممارستها للعبادات والواجبات الدينية الشرعية الشخصية، وهذا هو فرض العين، وسنلاحظ على الفور أن هذا النوع الثاني من التعليم ـ فرض الكفاية ـ يتعلق بواجبات الزوجة والأم، أي أنه تعليم يرتبط بالدور المحدد لها داخل البيت، أو يتعلق بالحرص على منع الاختلاط بين الرجال والنساء، كأن تتعلم المرأة الطب، وخاصة طب الطفولة وطب أمراض النساء. "وقد قال الفقهاء إن ما تتعلمه المرأة نوعان:
1 ـ فرض عين: وهو الذي تصح به عبادتها وعقيدتها وسلوكها وتحسن به تدبير منزلها وتربية أولادها.
2 ـ فرض كفاية: وهو ما تحتاج إليه الأمة، ونحن الآن في حاجة إلى طبيبات للأمراض النسائية والطفولة يكفين حاجة المجتمع، وهكذا تدعو الحاجة إلى مدرسات للبنات في مدارسهن وممرضات للنساء. أما إذا لم تكن ضرورات تفرض على الأمة إعداد النساء لثقافة معينة، فإن المسلمة تعرف أن ثقافتها يجب أن تتجه إلى ما يخدم وظيفتها الطبيعية، وهي رعاية البيت من طهور وحياكة وحضانة وعلم التغذية، ومبادئ الصحة العامة والوقائية، ودراسة علم نفس الطفل".
 
15/12/2004

لحواء

التالي
« السابق
الأول
التالي »

تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon