المرأة العربية والسلطة.. تأنيث المستقبل..

"إنها مثل الكثير من السيدات اللاتي يتصدين للعمل في مجال الأعمال أو السياسة.. كانت تؤمن بأنها يجب أن تبذل أقصى جهد ممكن في عملها، بل أن تتفوق على نظرائها من الرجال إذا ما أرادت أن تنجح"  جون كاميل: كاتب السيرة الذاتية لمارغريت تاتشر
في إحدى الدراسات التي كتبها مؤخراً "فوكوياما" صاحب نظرية "نهاية التاريخ" تساءل هذا الأخير عن الوضع الذي يمكن أن يصبح عليه العالم لو حكمته نساء؟؟؟
واستند فوكوياما في سؤاله إلى عدة معطيات تاريخية تؤكد أن كل الحروب والبشاعات التي ارتكبت ضد الانسانية كانت بإمضاء رجل.
ودعوة فوكوياما إلى "تأنيث المستقبل" والتي طرحها في شكل سؤال فيها رغبة في أن يصبح مصير العالم بين أيدي نساء لأنهن يفتقدن إلى الخشونة والعدوانية التي تطبع عادة شخصية الذكور.
ولكن هذه الدراسة جوبهت بدراسات أخرى مضادة أعلن أصحابها منذ البداية بأنهم يكنون كل الاحترام للمرأة ويتمنون لها ما تمناه فوكوياما، إلا أنهم قدموا قائمة من النساء اللواتي مارسن السلطة من أعلى هرمها ولكنهن كن أكثر عنفاً من الرجال:
مارغريت تاتشر التي لقبت بالمرأة الحديدية وحكايتها مع عمال المناجم
إيميلدا ماركوس صاحبة الألف حذاء
إيفا بيرون التي كانت الحاكم الفعلي للأرجنتين
تانسو تشير التي تساءلت ذات يوم: ماذا تعني كلمة أكراد؟
بي نظير بوتو التي غلبت مصالح زوجها على مصالح الباكستانيين
ويمكن أن نطرح الآن إسمين جديدين لهذه القائمة إذ لايمكن إذا ما أرخنا للحرب على العراق أن ننسى السيدة كونداليزا رايس الملقبة بالمرأة الحديدية لايت، والسيدة آنا بلا ثيو وزيرة الخارجية الإسبانية التي كانت أشد قسوة من وزير الدفاع الاسباني.
كذلك لعبت الكثير من النساء خلف الستائر أدوار جعلتهن من أصحاب القرار وأخريات حددن مصائر سياسيين ودولاً أيضاً.
وتعد قصة كريستين كلير مع وزير الحرب البريطاني جون بورفوميو من أفضل القصص التي يطرحها أي باحث في مسألة المرأة وصنع القرار، إذ أنها كادت أن تطيح بحكومة المحافظين بعد اكتشاف علاقتها الغرامية المزدوجة مع وزير الحرب البريطاني والعميل الروسي يوغين إيفانوف، حتى أن العلاقة تحولت إلى فيلمين سينمائيين الأول بعنوان "فضيحة والثاني بعنوان "دمار"؟
ولكن هل يمكن مقارنة أفعال هؤلاء السيدات بما قام به ستالين عام 1937 حين قام بتصفية الحزب البولشيفي، أو "الحل النهائي" لهتلر عام 1942 أو "القفزة القوية" لماوتسي تونغ عام 1958؟
... والمرأة العربية؟
يبدو أن المؤرخ سوف يجد صعوبة ليحدد إن كانت المرأة العربية تستحق أم لا دعوة فوكوياما لتأنيث المستقبل لأنها ببساطة لم تصل ولو لمرة واحدة إلى سدة الحكم حتى يحكم لها أو عليها.
ففي العالم العربي ما زالت المرأة في الصف الثاني أو الثالث في سلم اتخاذ القرار وذلك لعدة اعتبارات تاريخية واجتماعية ودينية.
وعلى الرغم من ترديد مجتمع الذكور الدعوة لتشريك المرأة في صنع القرار، إلا أن الواقع يختلف عن التمنيات في جزء من الحكومات العربية التي سمح فيها للمرأة أن تمسك بحقيبة وزارية فإن عناوين هذه الحقائب معروفة سلفاً، فإذا لم تعين وزيرة للمرأة فإنها ستكون وزيرة للشؤون الاجتماعية أو الثقافية مع بعض الاستثناءات التي لا تدوم طويلاً ومثال ذلك وزيرة الاعلام في الاردن التي استقالت في منتصف المشوار.
أما بالنسبة إلى المناصب الأخرى، وزارات السيادة مثل الخارجية والداخلية والدفاع، فإن الحديث عن ذلك الأمر يعد ضرباً من ضروب الخيال.  وإذا كانت الحكومات العربية تسمح بوصول أكثر من امرأة لمنصب وزاري، فإن الوضع داخل العديد من المنظمات والأحزاب والجمعيات غير الحكومية يدعو إلى الدهشة حقاً.  وسنتخذ تونس مثلاً، حيث يعد هذا البلد من البلدان العربية الرائدة في مجال حقوق المرأة إذ أنك لو سألت امرأة عربية مناضلة في مجال المساواة بين المرأة والرجل عن التشريع العربي الذي تتمناه أن ينسحب على العالم العربي، ستشير بالتأكيد إلى تونس صاحبة مجلة الأحوال الشخصية التي يقترب تاريخ سنها من نصف قرن.
ففي تونس حين تقوم بعملية حسابية لوجود المرأة داخل المنظمات والأحزاب المعارضة التي تدعو صباحاً مساء إلى ضرورة تشريك المرأة في صنع القرار، ستجد أن العدد في أحسن الأحوال لا يتجاوز المرأة الواحدة عدا الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية.
أما بالنسبة إلى القرار النقابي والاجتماعي داخل أعرق منظمة للشغيلة في تونس وهي الاتحاد العام التونسي للشغل، فإن عدد النساء داخل المكتب التنفيذي لا يتجاوز الصفر والمرة اليتيمة التي وصلت فيها امرأة إلى هذا المنصب وهي المرحومة شريفة المسعدي زوجة الأديب الكبير محمود المسعدي فكانت مع بداية استقلال البلاد، مع التذكير أن الصحيفة الناطقة باسم اتحاد الشغالين وهي "الشعب" لا تشغل ولو صحفية واحدة.
أما بالنسبة إلى جمعية الصحفيين، فهي الجمعية الوحيدة التي تداولت على رئاستها امرأة (عدا الجمعيات النسائية). وكان ذلك خلال ثلاث فترات منذ نشأتها عام 1962 علماً بأن المرأة الوحيدة في الهيئة المديرة الحالية تشغل منصب الكاتب العام.
من جهتها اكتفت أحزاب المعارضة بامرأة واحدة في أحسن الأحوال داخل مكاتبها السياسية وكأن هذه الأحزاب تلتزم بقانون البلد الذي يمنع الزواج بأكثر من واحدة.  فالتجمع الديمقراطي التقدمي وحركة التجديد وحزب الوحدة الشعبية (امرأة واحدة في المكتب السياسي) والحزب الاجتماعي التحرري – ليبرالي – وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين (لا توجد أي امرأة).
...وماذا يجري داخل المنطقة العربية؟
تعتبر لبنان من البلدان الرائدة في مجال الحريات الصحفية التي تعد الطريق الواسعة لإيصال صوت المرأة إلى المجتمع، إلا أنه إلى حد الآن مازالت الحكومات المتعاقبة عليه تمتنع عن تعيين امرأة واحدة في منصب وزاري.  أما عن وصول بعض النساء إلى البرلمان فكانت الطريقة السالكة والوحيدة تقريباً هي طريقة التوريث.
وعن هذه الوضعية تقول المحامية اللبنانية صوفيا إبراهيم عطية:"إني أعزو ذلك إلى كون الرئيس المكلف في لبنان لا يختار وزراءه بإرادة منفردة، بل يجري استشارات يختار على أساسها الوزراء خلافاً لما عليه الحال في البلدان العربية الأخرى "ومن أجل ذلك تدعو السيدة صوفيا إلى تصحيح الواقع لا في لبنان فقط بل في مجمل العالم العربي وذلك عبر:
توعية المرأة بقدراتها وإمكانياتها وبكونها قادرة أن تشغل أي منصب سياسي أو قيادي.
إنشاء منظمات تعمل على تشجيع النساء للترشح للانتخابات النيابية ولتولي المناصب السياسية.
حث الأحزاب السياسية على تشجيع النساء للانخراط في صلبها.
أما عن المعوقات القائمة والتي تحول إلى حد الآن دون وصول المرأة العربية إلى مواقع اتخاذ القرار عبر تبوئها لمناصب سياسية عن طريق الانتخابات العامة، فإنها تتلخص في أمرين اثنين:
مشكلة الوعي: المرأة حتى اليوم وبشكل عام لا تعي قدراتها.  فهي إجمالاً تجهل أنها قادرة على القيام بجميع الأدوار التي يتطلبها المجتمع فقد نشأت وترعرعت في أجواء رسمت لها دوراً محدداً في الحياة وأصبحت رهينة بيئتها وتربيتها.
وخلال الندوة التي احتضنتها دولة قطر منتصف شهرفبراير "فيفري" الماضي والتي خصصت لتدريب المرأة العربية في المجال السياسي، اعترفت المدربة الأجنبية بأنها وجدت صعوبة في تدريب السيدات العربيات على استخدام وسائل الاعلام وقالت: "لم تشأ بعض السيدات، لأسباب تعود إلى معتقداتهن الدينية، تصويرهن في مقابلات اخبارية صورية" وحتى السيدات اللاتي لا يمانعن في تسجيل مقابلة معهن، كن محافظات وتحدثن بصوت هادئ ورتيب، وكانت تريد منهن أن يعكسن صورة حية للناخبين خلال المقابلات التلفزيونية معهن، بل وربما رواية نكتة ما ولكنهن قاومن ذلك قائلات إن مثل هذا الأمر لن يلقى ترحيباً في بلدانهن وقلن لها "سنبدو سخيفات".
مشكلة الضعف: أما المشكلة الثانية فتتعلق بضعف المرأة الاقتصادي، فالمال هو الحليب الطبيعي للسياسة كما يقال، ولكن المرأة العربية لا تملك المال.  ومن سنن الطبيعة تقول الأستاذه صوفيا عطية "أن الغلبة للأقوى بحيث أن العالم لم يصل بعد إلى مرحلة تكافؤ الفرص والخضوع لسلطان الحق والقانون، ليس على صعيد الأفراد فحسب، بل وعلى صعيد الدول أيضاً.  والضعيف يعاني من الفقر، يعاني من الاضطهاد، يعاني من الجهل وأخيراً وليس آخراً يعاني من ممارسة العنف الجسدي والمعنوي.  ومعاناة المرأة من كل ذلك يشكل عائقاً يحول دون وصولها إلى مراكز القرار".

المصدر: مجلة كوثريات الصادرة عن مركز المرأة العربية للتدريب و البحوث العدد  13  

2005  

عن بوابة المرأة

التالي
« السابق
الأول
التالي »

تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon