من سيضرب النساء (2)

في يوم الجمعة 7/2 /2003 حدث ما يلي :
وقف خطيب أحد المساجد في مدينة دمشق وخطب في المصلين الراكعين الخاشعين محدثا إياهم عن أصول ضرب الرجال للنساء..
ربما يبدو الحدث عاديا ولا غرابة فيه إذ تعودنا من شيوخنا وفقهائنا أن يخوضوا في حديث ضرب النساء على أنه من بديهيات الشريعة الإسلامية مستندين في ذلك إلى مجموعة التفاسير والشروحات القرآنية المتعلقة بالآية 34 من سورة النساء "واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن" - وقد أصبحت تلك التفاسير ذات طابع قدسي لا يرقى إليه الشك ولا يقبل فكرة إعادة النظر في أساس كلمة " ضرب " كما جاءت في اللسان العربي – على أن هذا كله ليس هو الموضوع، إنما الغريب حقا هو أمران: أولا: توقيت الخطبة، وثانيا: جدواها.

أما التوقيت فإن الخطبة جاءت بعد مرور أقل من أسبوع على انتهاء فعاليات منتدى المرأة والتربية، الذي عقد في دمشق بتاريخ 2-3 شباط تحت عنوان: "امرأة وتربية.. وطن وتنمية" وقد جاء التوقيت أيضا بعد أقل من يومين على وقوف كولن باول أمام مجلس الأمن وهو يلقي بيانه المرفق بالصور والتسجيلات الصوتية كأدلة دامغة على امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، مما يبرر لأمريكا بالتالي الإسراع في شن الحرب وضرب العراق.

يتحدث خطيب المسجد عن أصول ضرب الرجال للنساء في الوقت الذي تحشد فيه الولايات المتحدة الأمريكية الآلاف المؤلفة من قواتها وجنودها وعتادها وحاملات طائراتها وصواريخها ومقاتلاتها وأساطيلها وبوارجها، وكل عدتها الحربية الجبارة كي تضرب بها العراق.

يشرح الخطيب أصول ضرب النساء، وكأنما ليس هناك من خطر يتهدد العالم العربي والإسلامي في وجوده وكيانه وهويته وحضارته وثقافته وأرضه ومصادره وطاقاته وحاضره ومستقبله.

يبرمج الخطيب خطبته فيحكي أولا عن قوامة الرجال وحقهم في تأديب النساء ثم يتدرج في الحديث عن الوعظ والتحذير والتخويف مرورا بضرورة أن "يولي الزوج ظهره لامرأته في المضجع أو أن ينفرد عنها بالفراش ليهجرها من ليلة إلى ثلاث فإن لم تنجح تلك التدابير في تقويم المرأة كان للرجل أن يضربها ضربا غير مبرح بحيث يؤلمها دون أن يكسر لها عظما، ولا يدمي لها جسما ولا يضرب وجهها".

ينشغل الخطيب بالحديث عن ضرب النساء وكأنه ليس هناك من ضرورة في أن ينشغل بالحديث عن أهوال الهجمة المريعة التي تتناول الإسلام في جوهره السمح والتي تحاول أن تلصق به طابع الإرهاب والعنف والوحشية والتطرف دون وجه حق.

يحكي الخطيب عن أصول ضرب النساء في الإسلام وكأنه ليس من الأولى له أن يحكي عن تحرير المرأة الذي بدأ في الإسلام دون أن يتناسى كل الأحاديث النبوية الشريفة التي أوصت بالنساء خيرا ودون أن يتعامى عن حقيقة أن الخطر الذي يواجهه الإسلام اليوم لا تدفع غائلته قيام رجال المسلمين بضرب نسائهم حسب الأصول..

وأما الجدوى من الخطبة فهو معدوم ليس بسبب اتفاقية "السيداو" والتي انضمت سوريا بموجبها – مع بعض التحفظات – إلى اتفاقية إلغاء جميع أنواع التمييز ضد المرأة (المرسوم التشريعي 333 تاريخ 26/ 9/2002).

وليس لأن منتدى المرأة المنعقد في دمشق قد ضمن للمرأة كل ما من شأنه أن يحميها من الضرب والعنف والتمييز.

وليس لأن النساء هن من سيقمن بضرب أنفسهن ولطم وجوههن وشق نحورهن وشد شعورهن حين تقع الواقعة وتضرب الضربة في حضرة الصمت الأخرس، والعجز المخجل والعار الذي يلطخ جبين الأمة وقد تعودت أن تفتح عينيها كل صباح على رؤية نهر الدم الفلسطيني النازف هناك دون أن تصحو، ودون أن ترى ليل بغداد القادم والذي سيلفها في السواد..

ببساطة إن تلك الخطبة عديمة الجدوى لأن ضرب النساء في الحقيقة يحتاج باديء ذي بدء إلى وجود رجال..!
 
لجنة دعم قضايا المرأة

التالي
« السابق
الأول
التالي »

تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon