قد يكون موضوع العنف ضد المرأة من أكثر المواضيع إيغالا في القدم، بل قد يكون الموضوع الثاني من حيث الأهمية بعد موضوع العنف ضد الحيوان والذي مارسه الإنسان منذ فجر التأريخ. ولعل اقتران موضوع تكوين الأسرة مع فكرة تدجين الحيوانات، يحمل في ثناياه أكثر من إشارة ذات دلالة ومغزى، خصوصا حين كانت المرأة المستأنسة ضمن النطاق الأسري مترافقة مع الحيوانات المدجنة ضمن زريبة الأسرة ذاتها. هذه الفكرة وإن قد تكون غير مقبولة من بعض جوانبها، لكنها مع ذلك تحمل قدرا كبيرا من الحقيقة التي رسمت سياق المسار المأساوي للمرأة عبر مراحل التأريخ المختلفة. وقد كان لعامل التفوق البايلوجي الذي حظي به الرجل، من الأسباب المهمة لتحجيم المرأة ضمن دائرة محددة لا تختلف عن الحيوانات الداجنة، إلا بفارق يكاد يكون ضئيلا في أغلب الأحيان.
وبرغم الجدل المثار بخصوص إشكالية حقوق المرأة من المنظور الديني والقول بتفاوت ذلك الأمر من دين لدين آخر، إلا أن الحقيقة الأهم هو إن جميع الأديان بدون استثناء وضعت المرأة في الموضع الأدنى قياسا للرجل، أو بكلمة أخرى أبقتها في نفس الموضع الذي سبق وإن حدد لها من قبل سيدها ومالكها ومستعبدها"الرجل"!!
وليس هذا فحسب، وإنما لعبت الأديان دورا وصل بها في بعض الأحيان إلى حد صارت فيها جزءا مهما جدا من طوق الاستعباد الذي تكبلت به المرأة. ولعل ترادف مفردة المرأة مع فكرة الخطيئة التي بشرت بها الأديان السماوية الرئيسية، عزز مكانتها الدونية بهالة من القدسية، مما جعلها المحكومة الأبدية "اجتماعيا" بالبقاء في المقام الذي تم اختيارها لها رغم أنفها. ولن نبالغ إذا قلنا (لو) أنه شاءت الأقدار وكانت للمرأة ذات القدرة البدنية التي حظي بها الرجل، فهل كانت مكانتها بهذه الدونية؟ أم أن الحقب التاريخية كانت ستكتب بصورة أخرى مغايرة تماما لما هو متعارف عليه حاليا.
هذه المنزلة الثانوية للمرأة، نستطيع أن نضعها وبصورة طبيعية جدا في إطار الطرف المهزوم في ساحات الوغى وما يترتب عليه من عقوبات (مادية ـ معنوية) بحسابات القرون الوسطى. والحق أن تحجيم المرأة وتأطيرها في مكانة اجتماعية" مهمشة" من الناحية البايولوجية، منحها بعدا دونيا أيضا من الناحية المعنوية وجعلها مرادفة لكل المعاني التي تدل على الضعف والوضاعة والاحتقار. وإذا ما كانت المرأة الأوربية قد طوت صفحة قاتمة من تأريخها الزاخر بالمعاناة والاضطهاد والدونية، وصارت في موقع إيجابي جدا بالقياس إلى أمسها المغالي في السلبية، فإن المرأة الشرقية في أوج حالات صراعها العنيف مع مجتمع القيم الرجولية.
وليس غريبا أن تكون مواضيع من قبيل "عدم التبرج" و"التزام جانب الطاعة للزوج" و"تكفيرها بالحرية ومساواتها بالرجل" هي السائدة في الكثير من القنوات الإعلامية (ولاسيما في البلدان العربية والإسلامية)، بل وأن مجرد ظهور فنانة معينة في إحدى حفلاتها بشيء من التبرج، كاف لملاحقتها ومقاضاتها باسم القيم الاجتماعية والدينية. إلا أن فكرة التصدي العنيف لكل الحالات التي قد تشذ عن قاعدة(العيب)، هي تنبع أساسا من زاوية ضمان بقاء المرأة الشرقية محصورة ـ محاصرة في ذات موقعها الدوني قياسا للرجل وهذا الأمر يعني نوعا من التعسف الفكري الذي يلجأ إليه مجتمع تسود فيه قيم سيادة الرجل، ضد المرأة.
وقد أشار الدكتور علي الوردي في أكثر من موضع إلى الموقع الدوني للمرأة في وسط وجنوب العراق، وبين بحذاقة تامة البون الشاسع بينها وبين الرجل، لكن الذي يحدث الآن في الكثير من المدن العراقية(تحت يافطة الدين تحديدا)، هو تأكيد قوي على ضرورة بقاء قيم المجتمع الرجولي مصانة من كل خدش. ولم يكن غريبا أن تترافق عمليات الذبح والتفجيرات الجارية على قدم وساق في أرجاء واسعة من العراق، مع حملات هوجاء في غاية التعسف من أجل (تحجيب )النساء، حتى غير المسلمات منهن! وصار الحجاب بمثابة صمام الأمان للمرأة عندما تخرج من منزلها، وكل هذا يأتي في وقت كانت تطمح فيه المرأة العراقية (ولاسيما بعد أن تخلصت من النظام الدكتاتوري) إلى تحقيق المزيد من المكاسب التي تكفل لها السير قدما في طريق مساواتها بالرجل.
وفي الوقت الذي كنا نشهد فيه مدى التوقير والتبجيل اللذين يكنهما الغرب لإحدى أقلامه النسوية الراحلة (فرانسواز ساغان)، فإننا نشهد في نفس الوقت مدى الحملة الظالمة الشعواء التي تتعرض لها الدكتورة نوال السعداوي في شرقنا المسلم وهي على قيد الحياة. وقد يكون الرابط بين فنانة متبرجة ومثقفة عراقية ترفض الحجاب والدكتورة نوال السعداوي، هو أن كلهن نساء! وما يجوز في الشرق للرجل، فهو لا يجوز قطعا للمرأة، أما لماذا فإن السبب الوحيد هو لأنها امرأة ولا شيء غير ذلك. واليوم أرى من الضروري أن تطلق حملة إنسانية جديدة من قبل كل المثقفين ودعاة الحرية ومناصرة المرأة، من أجل وضع حد لحملة العنف النفسي ضد المرأة، تحت أية مسميات كانت أو ستكون، ولاسيما حين يبتغي الإرهاب الأسود القادم من خلف الحدود العراقية بالتكاتف والمؤازرة مع الإرهاب البعثي، جعل موضوع تكبيل المرأة واحدة من أهدافه الاستراتيجية ضمن برنامجه الهمجي الأسود!
تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon