مفهوم الرجولة بين الواقع والمطلوب..

(نشر هذا الملف على حلقات في موقع "الرقيب" الالكتروني)

قتل النساء على خلفية الشرف

المقدمة

يثير موضوع حقوق المرأة الكثير من الجدل في الساحة العربية، فمع أن المرأة دخلت مضمار التعليم والعمل بشكل واسع خلال السنوات الخمسين الأخيرة إلا أنها ما زالت تعاني من التمييز القائم على النوع الاجتماعي، خاصة في المجتمعات التقليدية. إذ يسود تصور تقليدي في التعامل مع المرأة وحقوقها، وينظر إليها على أنها أدنى من الرجل وأقل حقوقا منه حيث يستند ذلك إلى تراث كبير من العادات والتقاليد والأعراف. وبالرغم من أن المرأة العربية استطاعت الحصول على بعض الحقوق بعد صراع طويل خلال النصف الثاني من القرن الماضي ، إلا أن هناك مظاهر عنف وتمييز واضح تجاهها. ومن أبرز هذه المظاهر في المجتمع العربي هو قتل النساء على خلفية الشرف، فالقتل على خلفية الشرف يعتبر جريمة وهي من الظواهر التي تهدد تماسك المجتمع وتقف عائقا في طريق تقدم المرأة في المجتمع.  

ومن الضروري الاعتراف بخطأ استخدام مصطلح القتل بدافع الشرف حيث أنه يعكس إعطاء مبرر للجاني وفي الوقت ذاته إدانة المجني عليها دون إعطائها الفرصة للدفاع عن ذاتها. لذلك تقترح الأدبيات النسائية استخدام مصطلح جريمة قتل النساء على خلفية الشرف (أنظر/ي خضر، 1999،ص18،عبده،1999،ص18 وزغبابة،1998،ص1). فالتعريف الاجتماعي المتعارف عليه تقليديا لمفهوم القتل على خلفية الشرف يتعلق فقط بالمرأة، فالمرأة التي تقيم علاقة مع رجل خارج مؤسسة الزواج يبرر قتلها حفاظا على شرف العائلة. فالشرف هو أحد القيم الاجتماعية المحورية التي تؤكد أبوية المجتمع العربي ودونية المرأة فيه، وهو كجميع القيم الاجتماعية يحدد كل مجتمع معناه بما يتفق مع مصلحته التي تتغير بتغير ميزان القوى فيه. فالقوى الغالبة في المجتمع أو الطبقة الأقوى هي التي تحدد هذا المعنى بما يتفق مع مصلحتها (أنظر/ي الزيات،1993،ص66،وعبده،1999،13). ومن هنا نجد الازدواجية في مفهوم الشرف، حيث تغييب المعاني السامية للشرف كالعزة والعلو ويقصر المفهوم على جسد المرأة وغشاء البكارة. حيث يصبح شرف المرأة ملكا للرجل ولا تلعب المرأة فيه إلا دور الوسيط الصامت، فيصبح الرجل مسؤولا عن سلوك المرأة واحتشامها. فالتقاليد والعادات الاجتماعية أدت إلى عزل المرأة جسديا ومكانيا في المنزل وفرض عليها الاحتشام من أجل حماية شرف الرجل، فالمرأة الشريفة امتداد للرجل الشريف. ومن هنا يكون جسد المرأة هو المحور الرئيسي في هذه المعادلة للحفاظ على الشرف لأنه وسيلة لإنجاب أعضاء جدد للعائلة واستمراريتها. فاعتبر جسد المرأة ملكا لزوجها والحفاظ عليه هو الوسيلة الوحيدة لضمان عدم اختراق الحدود بين العائلات، والحفاظ على العائلة كوحدة للتكوين الاجتماعي، فالعائلة عامة والرجال خاصة هم المسؤولون عن شرف المرأة (التركي وزريق،1995: 104).

يعتبر قتل النساء على خلفية الشرف أحد أشكال التمييز وانتهاك حقوق الإنسان ضد المرأة بشكل خاص، فهي ظاهرة موجودة في العديد من المجتمعات منها المجتمع العربي. وهي لا تعدو كونها ردة فعل لعدة عوامل اجتماعية ونفسية وبيئية وتربوية واقتصادية وثقافية وغيرها. فقيمة الإنسان رجلا أو امرأة تتحدد حسب قدرته على العمل الخلاق والحب الحقيقي وليس حسب ما يملك من ثروة أو سلطة أو انتمائه الطبقي. علاوة على ذلك فدور الإنسان في المجتمع يتحدد حسب قدراته الفكرية وكونه عنصرا فاعلا ومؤثرا وليس حسب كونه ذكرا أو أنثى، وبذلك تكون قدرة الإنسان القادر على تطوير مجتمعه والوصول به إلى الأفضل هي التي تحدد قيمته (السعداوي، 1977، ص32). وقتل النساء على خلفية الشرف هو جريمة يرتكبها رجل بحق امرأة تربطه بها صلة قرابة من الدرجة الأولى، ويكون الدافع للجريمة كما تعرفه المفاهيم الاجتماعية سواء كانت قتلا أو إيذاء الدفاع عن الشرف. أما السلوك الذي يعتبر ماسا بالشرف فهو ينطوي على اتصال جنسي غير مشروع يجلب العار على العائلة وفقا للعادات والتقاليد في المجتمع (أنظر/ي خضر، 1999، ص8 وزغبابةه،1998،ص 1).

المجتمع الفلسطيني جزء من المجتمع العربي، ولا يختلف وضع المرأة الفلسطينية فيه عن وضع المرأة العربية عامة. فالمجتمع الفلسطيني كغيره من المجتمعات الأبوية التقليدية الحديثة، يعتمد استخدام القوانين غير المكتوبة من عادات وتقاليد وأعراف لحفظ كيانه وشرعيته، مستعملا بذلك شتى أساليب القمع والإرهاب الاجتماعي لتكريس دونية المرأة. وأيضا، الظروف التي تعرض لها المجتمع الفلسطيني من نكبة وتهجير ونزوح وفقدان الأرض أدى إلى تشبثه بالعادات والتقاليد المجتمعية (عبده، 1999،ص 25).

فظاهرة قتل النساء على خلفية الشرف موجودة (من خلال حالات معرفة من مراكز نسوية، شرطة، صحافة...الخ) في المجتمع الفلسطيني كغيره من المجتمعات الشرقية الأخرى. فهي جريمة تميز ضد نوع اجتماعي دون الآخر ألا وهو النساء، وهن جزء أساسي ومهم ويشكل نصف المجتمع. ومع أن هذه القضية كانت موجودة في المجتمع الفلسطيني منذ زمن، إلا أنها كانت مغيبة ضمن الواقع الذي عاشته البلاد من احتلال وانتفاضة حيث غلب الاهتمام بالقضايا السياسية على الاهتمام بالقضايا الاجتماعية. ومع بداية الاستقرار السياسي بعد توقيع معاهدات السلام سنة 1993 تكشفت هذه القضايا بشكل واضح بسبب انتشار المراكز النسوية واهتمامها بقضايا العنف الموجه ضد النساء، والتي بادرت بإقامة ورشات عمل وبعض الدراسات القيمة التي تتعلق بهذا المجال.

فدراسة هذا الموضوع تنبع من تجدد الظاهرة في المجتمع الفلسطيني وانتشارها. فارتأينا في المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان أهمية دراسة هذا الموضوع للوقوف على نظرة المجتمع لهذه الظاهرة، وكيفية التعامل معها.

المجتمع ومفهوم القتل على خلفية الشرف

لقد بدأ القتل على خلفية الشرف يلقى اهتماما واسعا بين الأوساط النسوية والحقوقية على عدة مستويات، وأصبح يتم تناوله بدون إحراج أو تردد، من منطلق أن القتل على خلفية الشرف هو جريمة بحق الإنسانية والمرأة. كما أن العديد من المؤسسات النسوية والحقوقية تعمل مع النساء المعنفات اللواتي تتعرضن للعنف والمهددات بالقتل من خلال توجههن لهذه المراكز للاستشارة. ورغم ذلك ما زالت الدراسات في مجال قتل النساء والقتل على خلفية الشرف في المجتمع الفلسطيني قليلة جدا.

لقد أشير في المقدمة إلى أن هذه الظاهرة لها علاقة بشرف العائلة، ففي المجتمع العربي "تشكل العائلة وحدة اجتماعية إنتاجية، وتتجلى الوحدة بتوحد الهوية بين أفراد العائلة، فيشتركون معا بإنجازاتها وإخفاقاتها، بانتصارها وفشلها، بأفراحها وأتراحها، بشرفها وعارها...الخ. كل عمل مشرف يقوم به أي فرد من العائلة يصبح شرفا لجميع أفراد العائلة، وكل عمل مشين يقوم به أحدهم، يصبح عملا مشينا للجميع. ومن هنا الفرد في العائلة يكون عضوا أكثر منه فردا مستقلا، وأن العلاقات ضمن العائلة هي، ببساطة علاقات بين أعضاء أو عضوات وأدوار تعرف بالأب، الأم، الزوج...الخ. بموجب هذه العضوية والتوحد في الهوية، يصبح كل فرد في الأسرة مسؤولا ليس عن تصرفاته الشخصية فحسب، بل عن تصرفات الأفراد الآخرين. من هنا، مثلا، ينعكس انحراف البنت في العائلات التقليدية خاصة على العائلة كلها ولا يمس الفتاة وحدها. هنا ترقد جذور جرائم الشرف التي هي محاولة يائسة من قبل العائلة لاستعادة شرفها"(بركات، 1999،ص 175-176).

من خلال تحليلنا لتعريف العائلة الوارد أعلاه، يمكن أن نستنتج أن جرائم القتل على خلفية الشرف ناجمة عن سلوكيات المرأة والتي تعتبرها العائلة مشينة لسمعتها فهذه الجريمة هي "قتل نفس بريئة (أنثى) بسبب المفاهيم الاجتماعية، التي تختلف من مجتمع لآخر ومن زمن لآخر، والتي تكرس ارتباط الشرف بالأنثى ونقاء سيرتها من أي علاقة مشتبهة وغير مشروعة بالرجل، الأمر الذي يبرر قتل الأنثى غسلا للعار وحماية للشرف المزعوم." (زغبابة،1998،ص1).

يقترح مما سبق أن العادات والتقاليد الموروثة تلعب دورا أساسيا في تعزيز وتكريس هذه الظاهرة. فالتركيز على قيمتي الشرف والاحتشام تكتسب أهمية كبيرة في المجتمع العربي حيث يصبح لجسد المرأة وضعية في النظام القيمي التقليدي عن طريق تقسيم العمل وحصر دور المرأة في العمل المنزلي وإنجاب الأطفال. أهمية هاتين القيمتين تعدان من القيم الأساسية التي تعطي الشرعية للنظام الأبوي في المجتمع العربي الذي يقوم على هيمنة الرجل على المرأة وهيمنة الكبار على الصغار، مما يعني توزيعا هرميا للسلطة على محوري الجنس والسن (التركي وزريق،1995،ص 80). فالمرأة العربية هي دائما كائن بغيره لا بذاته، فهي تعرف من خلال كونها زوجة فلان، أم فلان، أو ابنة فلان...الخ. ويساعد على ذلك آلة الزواج حيث تفقد المرأة شخصيتها وتعيش في حالة دنيا. ومن الجدير بالذكر أن المرأة تعاني من هذه الدونية منذ الولادة حيث تفضيل إنجاب الذكور على الإناث، والتفرقة بين الأخوة ووصايتهم عليها حتى لو كانوا أصغر منها، وتفضيل تعليم الذكور على الإناث أو حرمان الفتاة من التعليم. أما ما يتعلق بالعمل، فالرجل يتسامح أو يتشدد مع عمل المرأة، حسب ما تتطلبه مصلحته الاقتصادية في كل حالة على حدة، فهو يتسامح مع خروج المرأة للعمل في الأرياف ولا يعتبر هذا منافيا للشرف لأن خروج المرأة نابع عن ضرورة اقتصادية. بينما يكون أكثر تشددا في المدينة، حيث أنه إذا أصبح خروج المرأة للعمل في المدينة ضرورة اقتصادية تسامح الرجل، مع ذلك، وإن أصر على الحجاب كشرط من شروط الشرف، ويبقى له وحده حق التصرف بدخلها باعتبار أنها ملك له، وأن لم تعمل المرأة يظل نشاطها محصورا في نطاق تلبية حاجات البطن (أي حصرها بالدور الإنجابي) وتبقى عبدة المنزل (أنظر/ي سعيد، 1991،ص71 والزيات، 1993،ص166).

نستنتج مما سبق أن مفهوم الشرف يرتبط فقط بالحفاظ على الأعضاء الجنسية (غشاء البكارة) الذي ارتبط فقط بالمرأة. بينما شرف الرجال لا يتعلق بسلوكهم وإنما يتعلق بسلوك زوجاتهم أو بناتهم أو أمهاتهم. فالرجل الفاسق شريف إذا كانت زوجته لا تخونه مع رجل آخر، والرجل المنافق شريف طالما ابنته تحافظ على عذريتها قبل الزواج، فشرف الرجل يتعلق بسلوك زوجته في البيت ولا يتعلق بسلوك هذا الرجل أو قدرته على العمل والصدق، وهذا مفهوم مضحك للشرف حيث يهبط بمستوى الشرف إلى منطقة سفلية في جسم المرأة لا تزيد عن غشاء البكارة (السعداوي1977،ص33 ) مقابل تغييب المعاني الأخرى السامية للشرف. ويتحدد معنى الشرف في المجتمع مع مصلحته، التي تتغير بتغير ميزان القوى فيه، فالقوى الغالبة أو الطبقة الأقوى هي التي تحدد معنى مصلحة المجتمع. ولأن الرجل كان في مختلف عصور التاريخ ولا يزال الأقوى اقتصاديا من المرأة فقد فرض على المرأة معنى شرف يناسبه ويحقق مصلحته، فأصبح معنى الشرف فيما يتعلق بالمرأة يكاد يكون مقصورا على العفة الجنسية (الزيات، 1993،ص 166). ونتيجة لذلك برزت التناقضات التي تكتنف كيان المرأة من حيث الازدواجية في التعامل مع جسدها، فهي نجس والعلاقة الجسدية خارج مؤسسة الزواج خطيئة مميتة أو من الكبائر التي تستحق عليها الرجم. وجسم المرأة وما يطرأ عليه من عوارض نجس، ومع ذلك فإن هذا الجسد نفسه يتمتع بأهمية لا مثيل لها. كما يحاط بهالات وطقوس والمساس به مساس بقدسية الأسرة أو القبيلة وهو انتهاك (للشرف) عقوبته القتل غسلا للعار في حمى القوانين أو تساهلها (سعيد، 1991،ص 74).

يقترح التحليل السابق أن ما يسمى بجريمة القتل على خلفية الشرف ينبع من السلطة الذكرية في المجتمع والإبقاء على هذه السلطة من خلال ضبط سلوكيات المرأة. فالتساؤل المهم على خلفية هذا الموضوع هو "هل بقيت الوظيفة الاجتماعية التي تؤديها هذه "الجريمة" غسل عار الأسرة" في مجتمع متغير؟ فجرائم الشرف ضد المرأة ليست مسألة حديثة، لكن في أغلب الحالات كانت تبقى طي الكتمان داخل العائلة الواحدة. فالأدبيات المتوفرة التي تعالج هذه المسألة قليلة جدا كما أنها تتطرق للموضوع بشكل عام. ويعود ذلك إلى حساسية الموضوع في المجتمع العربي وذلك بسبب كون هذه الظاهرة نتاج موروث ثقافي ذكوري يفرض على المرأة الانصياع لمنظومة من الممارسات الاجتماعية التي يفرضها الرجل على أقاربه من النساء. وأيضا لعدم توفر العوامل المساعدة لدراسة هذا الموضوع، فالإحصاءات المتوفرة لا تشير بشكل مباشر لسبب القتل وتعطي أسبابا أخرى، أو من الممكن أن تسجل هذه الجرائم في ملفات الشرطة تحت انتحار أو تحت أمور عائلية أو لأسباب أخرى غير منطقية (مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي،2001،ص32).

فالقتل على خلفية الشرف هو أحد أشكال العنف المبني على أساس الجنس ضد المرأة (مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي،2001،ص30). فالقتل على خلفية الشرف هو جريمة يرتكبها رجل بحق امرأة تربطه بها قرابة من الدرجة الأولى كما ذكر سابقا، ويكون الدفاع عن الشرف، الدافع لارتكاب الجريمة سواء كانت قتلا أو إيذاء. أما السلوك الذي يعتبر ماسا بالشرف فهو السلوك الذي ينطوي على اتصال جنسي غير مشروع يجلب العار على العائلة وفقا للتقاليد والعادات السائدة في المجتمع (خضر، 1999،ص 8 و زغبابة، 1998،ص 1). فمن خلال دراسة أجريت في الأردن (13/12/1998) لمعرفة دوافع العنف ضد المرأة احتل القتل على خلفية الشرف المرتبة الأولى من الدوافع. بلغت النسبة 55% من نسبة جرائم العنف الموجه ضد المرأة. أما فيما يتعلق بصلة الجاني بالضحية فقد احتل الأخ نسبة 75% أي المرتبة الأولى من الجناة، أما فيما يتعلق بخصائص الجناة فقد وجد أن معظمهم من الشباب ويتمتعون بمستوى تعليمي متدن ومن أصحاب الدخل المتدني (زغابنة،1998،ص1).

ومن الملاحظ أن مفهوم القتل على خلفية الشرف في المجتمع العربي وفلسطين كجزء من هذا المجتمع متشابه في تفسيراته المتعلقة بالمرأة. إلا أن هذا المفهوم تغير في معانيه وبالتفسيرات التي تعطى له فيما يتعلق بسلوك المرأة وتصرفها في مجالي العلم والعمل، وتأثره بالفترات التاريخية والاقتصادية التي مر بها المجتمع. بالإضافة إلى ارتباطه وتأثره بتراث كبير من العادات والتقاليد والأعراف والأيديولوجيات التي تكبل سلوك المرأة وتجعلها أسيرة هذا الموروث الثقافي التقليدي.

تناقش أحد الدراسات التي تعالج موضوع جرائم الشرف (عبده، 1999) تغير مفهوم الشرف في المجتمع الفلسطيني بحسب الفترة الزمنية. فالفترة من 1948 إلى 1967 لم تخرج المرأة في الأرياف للعمل المأجور، مما حكم عليها بالعمل في إطار الاقتصاد المنزلي دون أن يكون لها أي دور في مقايضة إنتاجها أو مبادلته. كما أنه لم يسمح لها بالمشاركة في الحياة العامة حيث اقتصرت مشاركتها في فترة الاضطرابات السياسية والنزاع المسلح، وكان ذلك لا يتعدى نقل الغذاء والذخيرة. بينما المرأة البدوية في نفس الفترة كانت تجسد دونية وضعها ومعاملتها كمتاع وجسدها وتفكيرها ليسا لها، وأن كانت تتمتع بحرية فكان ذلك نابع من حاجات اقتصادية لرعي الماشية لمصلحة القبيلة. بينما من ناحية أخرى كانت تتعرض لقيود قبلية وتقليدية صارمة بسبب ما يسمى بعادة "غرة اليد"i[i]، التي تعكس ازدواجية المعايير الخلقية فيما يخص العرض والشرف. فحسب مفهوم الشرف تقتل الفتاة إذا مارست الجنس بإرادتها، حيث أن المفهوم السائد أن تحافظ المرأة على العرض الذي يرتبط بعفتها الجنسية وعذريتها حتى الزواج. بينما هذه العادة توضح أن القبيلة تتنازل عن العرض ولا يعتبر ذلك منافيا للأعراف. أما المرأة في المدينة فكان هناك عدة عوامل في تلك الفترة ساعدت على تدني وضعها، منها، تعرضها للانعزال بالإضافة إلى ظهور الحجاب في فترة الخمسينيات كنوع من التقاليد الصارمة. إلى جانب ذلك كانت وسائل الإعلام والاتصال والخدمات معدومة، واتسام الأحزاب بالعشائرية والذكورية التي لا مكان للنساء فيها.

أما الفترة ما بعد 1967، من الممكن اعتبارها نقلة نوعية في وضع المرأة الفلسطينية، حيث أصبح لها دورا اقتصادي جديد. يعود ذلك إلى سياسات انتهجها الاحتلال مثل الاقتلاع والتشريد وفقدان الأرض كوسيلة إنتاجية وكمصدر للرزق، والذي سبب تدهورا في وضع الأسرة الفلسطينية، مما دفع المرأة لدخول سوق العمل. وتقاسمت مع الرجل أعباء حماية الأسرة من الفقر والجوع والمرض، مما أكسبها سيطرة اقتصادية داخل الأسرة. فخروج المرأة للعمل اليومي خارج البلد أدى إلى تحطيم العادات والتقاليد التي كانت تحيط بالمرأة والسماح لها بالعمل في مجالات لم تكن تسمح بها الأسرة سابقا. ولم يعد خروج المرأة للعمل المأجور عيبا أو مرتبطا بالشرف نتيجة الضرورات الاقتصادية، بل وأمام هذه الحاجة الاقتصادية فتحت مجالات التعليم أمام المرأة لتكون أكثر تأهيلا وقدرة على القيام بالأعمال التي تدر دخلا أكبر. وبذلك تحطمت حصون الشرف المنيعة التي طالما أعاقت خروج الفتاة من البيت إلى المدرسة(عبده، 1999،ص 18-20).

لكن هذا التطور الذي طرأ على مفهوم الشرف لم يمنع قتل النساء على خلفية الشرف، حيث تبين من خلال دراسة (كيفوركيان، 2001 التي أجرتها من خلال مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي) على وجود هذه الظاهرة في المجتمع الفلسطيني. فالدراسة قامت بمراجعة ملفات الشرطة في الفترة ما بين 1996-1999 فوجدت أنه تم توثيق 38 حالة قتل، 12 منها في الضفة 26 في قطاع غزة، وتبين أن هذه الجرائم تمارس من قبل الأقارب من الدرجة الأولى وخصوصا الأب والأخ والعم. فالرجل في العائلة يتحكم بسلوك وتصرفات المرأة بما يراه منسجما للحفاظ على شرفها والتهديد بالقتل لمجرد الاشتباه بسلوكها. وإحاطتها بأجواء تتمثل بعدم الثقة والتمييز والانصياع للتشكيك من قبل الأقارب والجيران أو المجتمع المحيط دون إثباتات قاطعة أو بسبب التشكيك بوجود علاقة جنسية أو عاطفية(مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي،2001،ص35). كما تبين أيضا من خلال هذه الدراسة أن الحالات المسجلة رسميا في سجلات الشرطة هي أقل من العدد الفعلي لقضايا القتل. ويعود هذا إلى عدم تسجيل هذه القضايا بطريقة منتظمة ومنهجية أو بسبب حساسية هذه القضايا، فيتم حصرها في إطار الأسرة وخوف العديد من النساء بالإفصاح عنها. وهنالك سبب آخر، وهو أن عشرات جرائم الشرف تعالج من قبل المخاتير والعشائر ومن خلال أسلوب "الطبطبة" ولملمة الموضوع مستندين إلى العادات والتقاليد التي تعد المحرض الأساسي للقتل على خلفية الشرف (مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي،2001،ص32). بالتالي فلو طبق القانون – المغيب اصلا في هذا المجال – لبدا قاصراً، حيث أن التشريعات والقوانين الجزائية عاجزة عن حماية المرأة. وذلك لوجود نصوص تمنح الجاني عذرا مخففا أو محلاً. وهذا يعد تشجيعا للجاني لارتكاب جريمة القتل. (أنظر/أنظري قانون العقوبات الأردني رقم 16 لعام 1960 المطبق في الضفة الغربية).

فالأعذار المحلة هي ظروف معينة ينص عليها القانون تؤدي في حال توافرها إلى إعفاء الشخص الذي يثبت قضائيا ارتكابه للفعل الجرمي من أي عقاب. أما الأعذار المخففة فهي ظروف معينة ينص عليها القانون وتؤدي في حال توافرها إلى إعفاء الشخص وتخفيف العقوبة وتعديل طبيعة الحكم، كأن يكون جناية فيصبح جنحة. ويتم تغييب القانون في هذا المجال الذي إذا طبق في هذه الحالات نرى مدى قصوره.

هنالك العديد من القوانين التي يحتكم إليها في موضوع القتل على خلفية الشرف، فالتشريعات والقوانين العربية تأثرت بعدة عوامل، أهمها اعتماد الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع في معظم البلاد العربية. وعلى الرغم من أن الشريعة الإسلامية عالجت تعسف الإنسان وتسلطه ودعت إلى المساواة والعدل، وحددت العقوبات المتعلقة بقضايا الزنا وغيرها من السلوكيات، إلا أنه بسب سوء فهم المشرعين لفقه الشريعة ، وطغيان العادات والتقاليد المجحفة بحق المرأة بقيت القوانين والتشريعات منحازة للرجل. وجدير بالذكر أن النصوص المتعلقة بجرائم الشرف و غيرها من النصوص المجحفة بحق المرأة ذات جذور غربية تم تعديلها في موطنها الأصلي فيما تمسك بها المشرع العربي وغلفها بنوع من القدسية (خضر، 1999،ص 4-18).

دراسة فلسطينية حديثة تتعلق بقتل النساء في المجتمع الفلسطيني (كيفوركيان، 2001) تأخذ منحى مختلف نسبيا عن الدراسات السابقة التي أشير إليها من حيث تعريف مفهوم الشرف والقتل على خلفية شرف العائلة. تنطلق الدراسة من أن النساء يصبحن ضحايا لجرائم القتل بسبب كونهن إناثا لا أكثر، فقتل الإناث ليس مقتصرا على مجتمع دون آخر. فتشير إلى العديد من الدراسات التي تناقش موضوع قتل الإناث من حيث أن المرأة هي الضحية الرئيسة وعادة تكون في نطاق المنزل الذي تشارك فيه مع مرتكب الجريمة. ودراسات أخرى بينت تواجد عوامل ديمغرافية وظرفية ذات أثر في قتل الإناث من قبل أقربائهن الذكور. وتشير إلى أن ملكية الذكور للنساء سبب رئيسي للعنف من جانب الذكور في الحالات المرتبطة بالعلاقات الجنسية. علاوة على ذلك الاستخدام الروتيني لإجراءات قانونية تمييزية في حالات قتل الإناث وهذه الإجراءات تتواجد تقريبا في العديد من الدول منها الغربية أيضا. كما تشير إلى أن العديد من الدراسات تقترح أن إعطاء المبرر لقتل الإناث على أساس "الشرف" يجعل هذه الجرائم مرنة للغاية بحيث تتسع لمجال واسع من الأشكال. تستشهد كيفوركيان بشنايدر حيث يكتب "...أن الشرف، في سياق العلاقات الاجتماعية، يمكن أن يفهم على أنه "أيديولوجية الفئة المهيمنة التي تكافح لإبراز إرثها وتوسيعه وحمايته في ساحة يسودها التنافس"

فتعرف هذه الدراسة قتل الإناث على أنه "جميع الأفعال العنيفة التي تسبب ذعرا دائما في النساء أو الفتيات من أن يقتلن بمبرر "الشرف". كما أن الدراسة تعرف أربع أنماط لقتل الإناث: النمط الأول يتعلق بشعور الضحية بأنها تحت التهديد بالقتل خوفا من أن تكتشف العائلة أنها كانت ضحية سفاح قربى أو اغتصاب أو أنها فقدت عذريتها. بينما النمط الثاني يوجه للضحية تهديداً لفظياً وغير لفظي مثل التلويح بالسكين والنمط الثالث تقع الفتاة تحت فعل بدني (الطعن أو الخنق) ولكن دون أن تتوفى. النمط الرابع هو القتل الفعلي للضحية .

لقد عرفت الدراسة 3 حالات قتل فعلي (من النمط الرابع)ii[ii]، ثلاثتهن من قرى، اثنتان من الشمال وواحدة من الوسط، اثنتان منهما عازبات وواحدة مطلقة. اثنتان منهن قتلن خوفا من الإخلال بشرف العائلة والخوف من الفضيحة الاجتماعية. لكن من خلال مقابلة وجهاء العشائر دللت على أن نمط القتل الفعلي أعلى بكثير في منطقة الجنوب (الخليل) حيث ورد من الوجهاء أن النمط الرابع من قتل الإناث الفعلي إما أن يستتر خلف حالات وفاة غير جنائية أو أن يتم إخفاؤه كليا. يظهر مما سبق أن هنالك أعدادا من النساء تقتل على خلفية الشرف دون أن توثق وهذا ما توضحه الدراسة. بالنسبة لموقف وجهاء العشائر من القتل على خلفية الشرف فاتضح من خلال المقابلات معهم أنهم مؤيدون لها من حيث تأكيدهم أن الانتهاكات المرتكبة بحق العرض والأرض تجلب العار للعائلة (الذكور) إذا لم يتم الثأر لها. يؤكد ذلك أن الأرض والعرض هي ممتلكات قيمة يجب صونها حسب التقاليد العربية ( كيفوركيان المصدر السابق،الصفحات على التوالي، 65،67،40،41،22،21،20،18).

كما أن الدراسة وجدت أن النسبة الأعلى من النساء (كما عبرت عن ذلك النساء أنفسهن) المهددات بالقتل على خلفية الشرف من القرى (18)، تليها المدينة (9)، والمخيم (6)، والبادية (1). وفي مجال آخر وهو وجود النميمة والشائعات عدد النساء اللواتي عبرن عن إحساسهن بأنهن مهددات في القرية (9)، والمدينة (6) والمخيم (1) والبادية لا أحد. وفي مجال الرفض الاجتماعي في افتضاح الإيذاء نجد أيضا نسبة النساء من القرى اللواتي يعبرن عن إحساسهن بأنهن مهددات هي الأعلى (11)، والمدينة (5)، والمخيم والبادية لا أحد (كيفوركيان، 2001،ص 42). تشير هذه الأعداد الى أن القرية وتليها المدينة الأكثر عرضة للقتل على خلفية الشرف. لقد أكدت الدراسة على أن القتل هو الخيار الوحيد المقبول اجتماعيا حيث أكدت عليه النساء من مناطق الشمال والخليل وغزة وهذا يتماشى مع الثقافة الاجتماعية السائدة، أما في مناطق الوسط فان نفوذ الطابع المحافظ يكون أقل (كيفوركيان، 2001 : 43).

يمكن أن نستنتج مما سبق أنه ما دام الرجل في المجتمع هو صاحب القرار ليس فقط على المستوى الاجتماعي لكن على نفس المستوى الاقتصادي والسياسي فقضية القتل على خلفية الشرف ستبقى تراوح مكانها والمرأة ستبقى الضحية. من هذا المنطلق يجب العمل على توسيع العمل الديمقراطي لتكون المرأة جزءا أساسيا في تطويره وإدماجه في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وأن ينظر إلى قضية القتل على خلفية "الشرف" أنها قضية حقوقية إنسانية يجب التخلص منها ومن يخالفها يجب معاقبته قضائيا كأي جريمة أخرى لأنها تتعلق بقتل إنسان برئ.


المقاربة النسائية ومرجعية علم النفس الحديث

في محاولة لتفسير السيرورة التكوينية لدى كل من الرجل والمرأة، فإن إيليزابيت بادينتير، ركزت على الطابع المعقد والصعب لهذه السيرورة عند الرجل. ولإبراز هذا الطابع الإشكالي وهذه الصعوبات التي يلاقيها الذكر في تطوره، فإن الباحثة تلجأ إلى مفهوم القانون السلبي الذي جاء به علم النفس الحديث واعتبره مبدأ لتحديد الهوية الجنسية للذكر البشري، وتسوق مجموعة من صور ومظاهر الرجولة التي جاءت بها الأنثروبولوجيا لتأكيد هذا الطابع الإشكالي.

ففي نظر الباحثة، يتمثل هذا القانون السلبي في أن الطفل الذكر، وللتعبير عن هويته الذكورية، يتوجب عليه أن يقتنع ويقنع الآخرين بأنه ليس امرأة، وليس يافعا، وليس لوطيا، إنه قانون سلبي ثلاثي الأقطاب، كل واحد من هذه الأقطاب يُعد صعوبة كبرى، فالذكر إذن يوجد أمام ثلاثة صعوبات، نوجزها في النقطتين التاليتين:

أ- الافتراق عن الأم والتميز الجذري عن الجنس المؤنث

لا يكفي أن تكون حاملا للكروموزوم (XY) وأن يكون لك قضيب لتحس بأنك رجل، إن المرحلة الحاسمة للتفاضل الذكوري تبدأ مع (XY) وتنتهي بالمنظور الذي يكونه الآباء حول جنس أطفالهم، والذي يحدد بدوره الهوية الجنسية للطفل، "طيلة هذه المرحلة فإن الجنين يكون قد "صارع"، حسب تعبير دجاست (A. Jast)، لكي لا يرضخ لبرنامج التطور الأنثوي، هذا الصراع البيولوجي هو أبسط مقارنة مع ذاك الذي سيخوضه الطفل الذكر حين ميلاده، وخلال زمن طويل، ليصبح رجلا"، كذلك، فالطفل الذكر يتغذى فيزيقيا ونفسيا من طرف شخص مخالف، وهو الأمر الذي يحدد مصيره بطريقة أكثر تعقدا ودرامية على خلاف البنت. ولكي يصبح رجلا، فإنه ينبغي أن يتعلم كيف يختلف عن أمه، وأن يكبت في أعمق أعماق نفسه هذا الاستسلام الأولي للأم، إن الذكورة تقتضي قمعا مبالغا فيه للرغبات الاستسلامية، خاصة المتعلقة بالاحتضان من طرف الأم، من هنا، فإن الذكورة خلال طول هذه المرحلة هي رد فعل أكثر منها انخراط، ذلك أن الأمر يتعلق دائما بمساعدة الطفل على تغيير هويته الأنثوية الأولية إلى هوية ذكورية ثانوية، وهذا ما يقوم به النسق الأبوي عندما يستعمل طقوس الإعداد، وبيداغوجية اللواط أو أسلوب الاحتكاك مع الأنداد، وهي آليات تهدف كلها إلى تغيير مكانة وهوية الشاب الذكر لكي يصبح رجلا، فهذه الطقوس "هي أجوبة ممكنة لحاجة كونية يتم الإحساس بها من طرف الطفل الذكر: أن يعترف به كرجل؛ أن يكون مع أولئك الذين قطعوا مع الضعف والارتباط الطفولي" كما أن هذه الطقوس ليست خاصة بالمجتمعات البدائية، إذ أنها تشمل حتى المجتمعات الصناعية كما هو الأمر بالنسبة لطقس التزريك (bizotage) المستعمل في المدارس الخيرية العامة بإنجلترا الحديثة، أو بالنسبة لنظام الكشفية (Boy-scouts) الذي أقيم بأمريكا سنة 1910، وكان الرئيس الأمريكي رئيسا شرفيا له، والذي كان هدفه المعلن من خلال الخطاب الذي ألقاه هو "أن نجعل من الأطفال الذكور رجالا كبارا ونصارع قوى التأنيث".

ب- الغيرية الجنسية (l'hétérosexualité)

يتوجب على الطفل الذكر أن يبرهن بأنه ليس لوطيا، أي أن لا يتمنى أنه يرغب في رجال آخرين وأن لا يكون مرغوبا فيه جنسيا من طرفهم؛ أن لا يكون لينا، مؤنثا في مظهره الفيزيقي وفي تصرفاته، في هذا الإطار، فإن الأوموفوبيا (Homophobie) التي تعني كره الرجل للخصائص الأنثوية الموجودة في الرجال، "تشكل جزءا مندمجا لذكورة غيرية بالنظر إلى لعبها دورا نفسيا رئيسيا: أن تعني بأنك لست لوطيا وأن تبين بأنك غيري الجنس"، هذا الحقد على الجانب الأنثوي في الذات يولد طبيعيا ثنائية جنسية متعارضة، إن تأكيد الاختلاف هو رد فعل على تفقد الهوية والغموض الذي يقوي الذكورة، وتعتمد الباحثة على وجهة نظر (G. Groddeck) التي ترى أن الختان عند اليهود هو كبت لهذه الثنائية الجنسية، "إن إزالة القلفة عند اليهود هو إزالة للثنائية الجنسية عند الرجل، إنهم يزيلون عن الذكر الطابع الأنثوي، عن طريق الختان فقط، فإن اليهودي يصبح رجلا".

من هنا تخلص بادينتر إلى أن مصدر الهوية الذكورية تعارضي وسلبي أكثر منه إيجابي؛ فهذا المصدر يشدد على المفاضلة، وعلى المسافة بالنظر إلى الآخرين، وعلى إنكار العلاقة العاطفية مع النساء، وهذا ما سنتبينه بالضبط في إحدى الدراسات السوسيولوجية التي هدفت إلى البحث في تكوين إيديولوجية الرجولة بالمجتمع الفرنسي، لقد أظهرت هذه الدراسة أن الرجولة كما تعرضها المادة الإشهارية تتمظهر في ثلاثة عناصر أساسية: أولها القوة، التي تشير إلى التمتع بصفات معارضة لصفات المرأة؛ وعنصرها الثاني هو السلطة، أي السيادة على الطبيعة وعلى جميع عناصرها من أدوات وبشر، أي الهيمنة والمنافسة؛ أما العنصر الثالث فهو التملك، أي السلطة على النساء. ولتأكيد هذا الطرح، فإن الدراسة تعتمد على ما أوضحتاه فيما بعد الباحثتان الأمريكيتان (Deborch S. David) و (Robert Brannon) ، واللتان أصبحتا شهيرتين بتبيانهما للمتطلبات الأربعة للذكورة، التي هي كالتالي:

المطلب الأول: لا شيء مؤنثا، مادام الرجل الحقيقي هو ذاك الخالص من كل أنوثة، فإنه سيكون ملزما بالتخلي عن جزء كامل منه.

المطلب الثاني: أن الذكر الحقيقي هو الشخص الهام، ما هو مطلوب منه هو التفوق على الآخرين، إذ الذكورة تقاس بالنجاح، بالسلطة والاعتبار، أي بدرجة توفر هذه الأوصاف في الرجل.

المطلب الثالث -وهو الحلقة الصلبة-: هو ضرورة أن تكون مستقلا عن الغير وأن لا تعتمد إلا على الذات. المطلب الرابع: يركز على ضرورة أن تكون قويا أكثر من الآخرين، حتى بالعنف إذا اقتضى الأمر ذلك، يتوجب على الرجل أن يبين الجرأة والعدوانية؛ أن يبين أنه قادر على تحمل المخاطر، حتى ولو كان العقل والخوف يقتضيان عكس ذلك.

إن الرجل الذي تتوفر فيه هذه المتطلبات الأربعة هو الذكر الأعلى بامتياز، والذي جعل، ولزمن طويل، الحشود تحلم به. هو الرجل الصلب، الوحيد، لأنه غير محتاج لأحد، هادئ الأعصاب، الفحل، كل الرجال حلموا بأن يكونوه: حيوان جنسي مع النساء، لكن لا يرتبط مع أي واحدة منهن، إنه ذاك الذي لا يلتقي بأنداده الذكور إلا في حالات المنافسة والحرب أو الرياضة. باختصار، إنه أصلب مما هو صلب، انطلاقا من هذه المقاربة نستنتج أن تشكل الهوية الرجولية يقوم في جزء كبير منه على القمع والعنف الموجه للذات بصفة عامة والموجه للآخر والمرأة بصفة خاصة.


مقاربة النوع الاجتماعي والمرجعية الأنتربولوجية

لتفسير الهيمنة الذكورية، تذهب الباحثة فرنسواز إيرتيرييه، بالاستناد على مقاربة النوع الاجتماعي وبالاعتماد على نماذج المجتمعات البدائية التي درسها الأنثروبولوجيون؛ وخاصة مجتمعات القناصين الملتقطين الذين درستهم الباحثة آن شابمان (Anne chapman)؛ وهي نماذج تُظهر وجود تفوق ذكوري تشوبه تغيرات نسبية تسير من المساواة الكاملة بين الجنسين عند بعض الجماعات الهندية إلى العبودية الكلية للنساء، إلى أن هذه الهيمنة لا ترجع إلى وجود الملكية الخاصة، كما ذهب إلى ذلك موريس كودولييه، وإنما أساسها هو النظام الرمزي، فأسطورة الأصل هي التي تبرر هذه الهيمنة.

هكذا تحاول الباحثة، بالاعتماد على دراسة أساطير بعض المجتمعات، أن تبين أن الخطاب الرمزي يشرعن دائما السيطرة الذكورية، سواء بمبرر العنف الأسطوري الأول الذي أُخضِع له الرجال من طرف النساء، إذن باستعمال سيئ للسلطة عندما كانت في أيديهن، كما تبينه أسطورة مجتمع أونا(ONA)، أو بمبرر عدم الإمكانية "الطبيعية" البيولوجية التي لا تمكنهن من الوصول إلى الصف العلوي، الذي هو صف الرجال، تقول الباحثة: "هناك قلب أساسي بين الجنسين مدرك دون أن يلفظ به ظاهريا، وهو على الشكل التالي: إن المرأة تتصرف دائما نحو الرجل، هذه هي المعركة الأولى، لا يوجد مجتمع حيث الرجال والنساء يتصرفون كليا بشكل متواز ومتماثل"، فالرجل، يبقى في كل الحالات هو المقياس الطبيعي لكل الأشياء؛ إنه هو الذي يخلق النظام الاجتماعي.

هذا ما يتبين أيضا حسب الباحثة، من خلال حالة مجتمع باريا (les Baruya) بغينيا الجديدة. تبرز هذه الحالة أن النساء في فجر الزمن هن اللواتي ابتكرن الناي والقوس اللذين كانا رمز سلطتهن، لكنهن لم يصوبن القوس في الاتجاه الصحيح، وقتلن بطريقة عمياء وفوضوية يسودها اللانظام، لهذا السبب اختلس الرجال منهن القوس وصوبوه في اتجاه الوجهة الصحيحة، الشيء الذي يجعلهم يقتلون بروية حسنة، هكذا، فإن الرجل يأتي بالنظام، المقياس العقلي لكل الأشياء، كما يعبر الخطاب الرمزي لهذا المجتمع عن ذلك.

هذا الأمر يتبين كذلك بخصوص المجتمع العربي الإسلامي من خلال ميتولوجيا التأويل القرآني، والتي تظهر فيها حواء، حسب الباحث تركي علي الربيعو، على أنها مصدر الغواية. إنها هي السباقة إلى الأكل من الشجرة، الشيء الذي يؤكد على طبيعتها الغريزية، وبانتهاكها المحرم تقع في الخطيئة المعرفة ثقافيا، وعبر هذا، تتحول الأسطورة إلى أدلوجة ذكورية تبرر السقوط وتباركه وتؤكد على أنه بنية أساسية في تركيب المرأة، إن خطيئة آدم عابرة وعرضية ويمكن له أن يمحوها بذبح عظيم، أما خطيئة حواء فأصلية وأزلية وتشكل بنية وجودها، فقد خلقت من ضلع أعوج ومن مَيْسَرَة الإنسان، وتحالفها مع الشيطان هو بمثابة نتيجة لتكوينها، إنها الشر بعينه، كما تذهب إلى ذلك بعض الميتولوجيات المتطرفة.

إذن، إذا كانت كل الأساطير الكونية، تؤكد على تفوق وهيمنة الذكورة وخضوع الأنوثة وتبعيتها، فما هو إذن أساس هذه الهيمنة وهذا العنف ضد النساء؟

تجيب الباحثة إيريترييه (F. Heritier) أن الخصوبة -وليس الجنس- هي أساس الاختلاف الواقعي بين المذكر والمؤنث، وأن الهيمنة الذكورية هي أساسا مراقبة وتحكم في إنجاب المرأة، في الفترة التي تكون فيها في مرحلة الخصوبة، أما المكونات السيكولوجية والأهليات الخاصة التي تخلق نماذج الذكورة والأنوثة حسب المجتمعات، والتي يفرض فيها أن تبرر هيمنة جنس على آخر، فإنها نتاج التربية، إنها إذن نتاج الإيديولوجية.

هذا بالفعل ما أكده من قبل جورج بلاندييه حيث يرى أن هناك سلطة بالنساء وعلى النساء. هناك مراقبة وأخذ بالسلطة الطبيعية التي تمتلكها النساء والمتمثلة في الإنجاب، فالرهان كله يدور حول تملك خصوبة المرأة، أي إنتاجيتها الطبيعية، إلى درجة أن المرأة المسنة بحكم أنها أصبحت خارج نطاق إعادة الإنتاج، فهي أقل خضوعا للمراقبة الذكورية ويمكن لها القيام بوظائف كانت محرمة عليها من قبل، ولكون تملك الخصوبة في الجسد الذكوري مآله الفشل، فإن هذا التملك يمر إذن بالمراقبة، بتملك النساء أنفسهن أو تملك منتوج هذه الخصوبة، هكذا، تخلص الباحثة إلى أن المحتمل هو أن الضبط الاجتماعي لخصوبة النساء وتقسيم العمل بين الجنسين هما أساس اللاتكافؤ الجنسي، وهما في نظرنا أساس العنف الرجولي ضد النساء، وهو العنف الذي يجد مشروعيته في النظام الرمزي للمجتمع.

وقفنا إذن على بعض المقاربات التي يمكن أن تشكل أرضية لتحليل وتفسير ظاهرة العنف ضد النساء وسننتقل بعد ذلك إلى البحث عن تمظهرات هذا العنف على أرض الواقع وعن المبررات التي يقدمها المجتمع لذلك.


الرجولـة ومبررات العنف المادي ضد المرأة

انطلاقا من بحث ميداني(*)، يبين مجتمع البحث أن تحقق الرجولة بالنسبة للذكور يتحدد في جزء كبير منه بنوع من العلاقة النمطية مع المرأة، وهي العلاقة التي تقتضي من الرجل أن يحسن التعامل معها وأن تكون له قدرة الإنفاق عليها، لكن بالمقابل عليه أن يضمن عفافها والسيطرة عليها،

لكن الرجولة لا تتوقف عند حدود السيطرة على المرأة -هذه السيطرة التي ينبغي أن تتمثل في اتباعها وامتثالها لأوامره ونواهيه- ولا حتى عند تحقيق الإشباع الجنسي لها، بل لا بد أيضا من ضمان عفافها وعفاف بناته وكل ما يوجد تحت سلطته من نساء، يتطابق هذا المعطى مع ما ذهبت إليه فاطمة المرنيسي من أن" الرجل ليس مسؤولا على إشباع المرأة جنسيا وإرضاء حاجاتها المادية فحسب، ولكنه بصفته ساهرا على النظام الإسلامي يتحمل أيضا مهمة حراسة النساء اللائي يعشن معه وإخضاعهن"، هذا ما يتأكد بصفة خاصة من الموقف من المعاشرة الحرة للفتيات، كما يبينه البحث الميداني، إن فرض هذه السلطة يتم حسب التسلسل التالي: البنت، والحفيدة، والأخت، وبنت الأخ، وبنت الأخت، وبنت العم، وبنت العمة، وبنت الخال، وبنت الخالة. وبالرغم من كون عامل القرابة ما زال يفرض نفسه، إذ أن بنات الأقارب يشكلن أيضا عرضا عائليا، يتوجب ضمان عفافهن الجنسي، فالملاحظ هو أن هناك عاملا جد محدد يتحكم في القرابة بدورها وهو الرابطة المكانية، إن قرب نساء الأقارب أو بعدهن من سكن رجل ما، أو بالأحرى الإقامة أو العيش معه داخل نفس الفضاء يعد عاملا مهما يؤثر على درجة السيطرة على النساء، فكلما حصل تقارب في الإقامة كلما تقوت سلطة الرجل على قريباته، لكن كلما ابتعد محل الإقامة، كلما قلت أو اندثرت هذه السيطرة، كما يقول هذا المبحوث: "تفُوت عَ اختي وبنتي وتدبّر ارّاسها، أما إلى كانت قريبة لي في الدوار ما نبغيها تدير ذاك الشي، لأنها بنت العائلة، غاديا تجيب الشوهة والصداع للعائلة"، هكذا، تكون سلطة الرجل قوية على النساء اللواتي يقطن معه في نفس المسكن، وتنخفض بالتدريج حسب درجة البعد من الإقامة،على سبيل المثال، يحدث أن لا تكون للرجل أي سلطة على قريباته القاطنات بالمدينة، لكن في حالة زيارتهن له ومكوثهن معه في بيته لمدة ولو وجيزة، فإن سلطته تمتد عليهن ويمكن أن يلجأ إلى ممارسة العنف المادي ضدهن، كذلك، فإن الأخ قد يكون كامل السيطرة على أخته أو بنت أخيه إذا كانتا تقطنان معه في نفس البيت، لكن إذا حدث أن استقل هذا الأخ عن سكن أسرته، فإن سيطرته على هاتين القريبتين تكاد تنمحي، كما يقول هذا المبحوث: "الإنسان اللي خارج من الحضانة ديالك، ما سوقك فيه، ما تتدخل فيه، راه اختك وما تقدر تحكم عليها، الواحد يالله إلى قدر يحكم على اولادو باركة" (45 سنة، متزوج)، داخل فضاء الدوار، فإن سلطة الرجل يمكن أن تشمل كل قريباته، لكنها تختلف حسب الرابطة القرابية، تكون سلطته قوية من جهة النسب الأبوي، فالبنت والأخت أولى بالسيطرة، تليهن بنت الأخ وبنت الأخت، وتتبعهن بنت العم، بعد ذلك بنت العمة وبنت الخال، كما يقول هذا المبحوث: "إلى كانت من عائلتي، ما نبغي يكون فيها العيب، لأنه إلى كنتِ في الجمْع الناس يقولوا: شوف بنت عمك أو بنت خالك آش دايرة، دابا تطيح بالشرف ديالك" (26 سنة، عازب).

ما يبرر لجوء الرجال إلى ممارسة العنف ضد النساء هو خوفهم من الإقصاء الاجتماعي ومن الشتائم التي يمكن أن تلحق بهم، كما هو الأمر بالنسبة لأولئك الذين يطلق عليهم نعت امرَيْوَة؛ الذي هو تصغير لاسم المرأة، يخص هذا النعت أساسا، الذي يصيب المرء في جوهر رجولته، على كل رجل لا يستطيع ممارسة السلطة على زوجته وبناته وأيضا أخواته وكل من يوجد تحت سيطرته داخل البيت من نساء، ويطلق على الذكر الذي لا يستطيع اتخاذ أي قرار داخل البيت أو خارجه، وإنما على عكس ذلك يلبي كل مطالب المرأة، كما يطلق أيضا على الرجل الذي يكون خاضعا لأوامر زوجته وواقعا لظروف معينة تحت سلطتها، إما بفعل صغر سنه، أو بفعل غناها هي وفقره هو، كما تقول هذه المبحوثة:"غالبينو اولاده والمراة غاسلها عليه. هذا هو المريوة عندنا" (39 سنة، متزوجة). وقد يطلق أيضا على الشخص الذي لم يستطع فض بكارة زوجته ليلة الدخلة، هذه المواصفات من شأنها أن تنزع صفة الرجولة عن الذكر وتجعله لا يحظى بالاعتبار الاجتماعي، كما يوضحه هذا المبحوث: "امريوة، أصغر من امرأته، حاكْمة فيه، تْسيّره كيفما ابغات، أو تحكم فيه بالمتاع ديالها أو بدارها، مني يبْغي يتدخل تقول له: أنت مالك؟ واش لك شي حاجة في هذه الدار، واجماعة ما يبقاو يعتبروه" (45 سنة، متزوج).

على أساس ما تقدم، ولكي لا تلحق المرأة أي ضرر يصيب جوهر الهوية الرجولية، فالملاحظ أن الأخلاق الاجتماعية وكل التوجيهات والنواهي تصب في اتجاه قولبة المرأة وتكييف سلوكها حسب مطالب الزوج، إلى درجة تجعلنا نستخلص أن المرأة تتحدد بزوجها أكثر ما تتحدد بأي رجل آخر، سواء كان أخا أو أبا أو ابنا أو قريبا أو أي رجل آخر، المطلوب من المرأة في علاقتها بالزوج هو أن تكون مخلصة له من الناحية العاطفية والجنسية وأيضا مطيعة له، أن تكون متفاهمة معه، تشاوره في كل أمر تريد قضاءه، عليها أن تتعاون معه وتساعده، من هنا يتوجب عليها عدم التدخل في شؤونه الخاصة مع ضرورة عملها على الإعلاء من شأنه وخدمته وتوفير العناية اللازمة به، المرأة ملزمة أيضا بعدم إثقال كاهل الزوج بالمطالب الاستهلاكية التي لا يستطيع تلبيتها. وبما أن الرجل الزوج ليس فردا منعزلا عن الآخرين، وإنما له أبناء وأسرة، فإن المرأة مطالبة بخدمة الأبناء وجميع أعضاء أسرة الزوج، وعدم الشجار مع والديه أو أقاربه، وفي حالة وفاته، فإضافة إلى ضرورة تحصنها وعفافها، فإنها ملزمة برعاية أبنائه والعمل من أجلهم حتى يكبروا، على المرأة أيضا عدم التعاطي للسحر وعدم الخروج من البيت أو زيارة الأماكن التي لا يرغب فيها الزوج دون إذنه. ذلك أن أشد ما يخافه المجتمع والرجال على وجه الخصوص هو تعاطي المرأة للخيانة الزوجية والسحر،

نخلص مما تقدم أن الخوف من المرأة ومن ثمة ممارسة العنف المادي ضدها هو أحد مرتكزات بناء الهوية الرجولية، لكن لماذا ترضى النساء بذلك وكيف يشرعن المجتمع كل الممارسات العنيفة ضدهن؟.

الجسد الأنثوي وإمتدادات العنف الرجولي

1- الجسد الأنثوي بين الرقابة والكلام

لأن الجسد الأنثوي، كما ذهبت إلى ذلك الأستاذة رحمة بورقية، "مكان للتفاعل والاندماج الاجتماعيين، فإنه محكوم عليه أن يكون حاملا للرموز، التي يكون اللباس واحدا منها، إن الزينة/ الحلي واللباس يعطيان للجسد الكلام، يجعلانه دالا، لأن العري يعني غياب المعنى، بعبارة أخرى الصمت، بينما يجعل المجتمع والثقافة منه جسدا متكلما"، ولأنه جسد متكلم، فإنه مجال للرقابة والضبط الاجتماعيين بامتياز. يظهر إذن أن كل خصائص الجسد الأنثوي تصلح لأن تكون ضوابط على مدى صلاحيته وتطابقه مع المعايير التي وضعها المجتمع ومدى انضباطه لها، فكما أن انتفاخ بطن المرأة علامة على حملها، فإن الأجزاء الأخرى من هذا الجسد، تشير حسب الخطاب السائد، إلى معاني محددة، هكذا إذن تبين قدم المرأة مدى عذريتها، كما تبين مدى حسن أو سوء طالعها، والثديان أيضا يدلان على ذلك؛ ، ، ونفس الشيء يقال بالنسبة للأعضاء الجسدية الأخرى، لكن ما يثير الانتباه، هو أن المعاني والدلالات التي أسندها المجتمع للجسد الأنثوي تشير كلها إلى تأويلات جنسية تعمل على تهميش المرأة، وتؤكد"أن جسد المرأة، في ذورته البيولوجية الخاصة، يعرضها داخل هذه البنية الثقافية إلى الإقصاء من الحياة العامة ومن دوائر السلطة والمعرفة، بما فيها المعرفة الدينية والصحية"، ولعل هذه الجنسانية التي ألصقت به هي ما يبرر حرص المجتمع على السيطرة على المرأة خوفا من إلحاق العار بالعرض العائلي، ومن ثمة فقد الاعتبار الرجولي الذي تسعى كل الاستراتيجيات الاجتماعية، التي عبرها يحتكر الرجال وسائل الإنتاج المادي ووسائل إعادة الإنتاج الرمزي، إلى تحقيقه والحفاظ عليه، كما هو الأمر بالنسبة للباس.

2- عذرية الجسد الأنثوي والعنف الممأسس

يظهر بمجتمعات البحر الأبيض المتوسط أن عذرية الفتيات تخص على وجه العموم مجتمع الذكور الذي يتوجب عليه، حسب قيم العرض، حماية هذه العذرية، من هنا المراقبة الدائمة لسلوك النساء، هذا ما أكده (LEFANCHEUR et G. Falconnet) حيث يرون أن من سوء حظ الفتيات وجود غشاء البكارة، التي هي واقعة فريدة تميزهن عن كل الثدييات، إن البكارة ساهمت في تسهيل المراقبة البوليسية على النساء لضمان عفافهن، وبالمغرب العربي، كما لاحظت (Dujardin)، فإن العذرية جد مثمنة في جميع الميادين الاجتماعية والثقافية والدينية؛ في الميدان الاجتماعي أولا ما دامت عذرية الفتيات الشابات، الملاحظة والمصرح بها أثناء الزواج، هي شغل وعرض كل العائلة، ثم ثقافيا وإيديولوجيا وحتى دينيا، ما دامت نفس هذه العذرية تأخذ قيمة تميز ترقى بهؤلاء الفتيات إلى الطهارة النموذجية، حسب الباحث عبد الرزاق مولاي رشيد، فإن القيمة المعطاة للبكارة تستجيب للأخلاق الجنسية الإسلامية التي تقوم على العفاف في مجتمع يعطي الأهمية للجسد الأنثوي غير المغتصب، إنها تستجيب لمفهوم الأسبقية في الامتلاك الفيزيقي لهذا الجسد، لكن إلى أي حد مازالت البكارة تتمتع بهذه القدسية وهذه القيمة في وقتنا الحالي؟ هل مازال الأفراد يولونها نفس الأهمية ؟ ما هو موقفهم من شريك بدون بكارة؟ هل يقبلون الزواج به ؟

حسب مجتمع البحث، فإن الحفاظ على البكارة معناه قدرة العروس على صيانة عرضها وعرض والديها، ومعناه أنها ذات نسب وأنها متخلقة بقيم الحشمة والحياء والجدية، ومن ثمة حظوتها بمقام محترم مع الزوج وأسرته، يعد هذا الفعل تشريفا لها ولعرض الأسرة التي ستؤسسها مع زوجها:

حتى يومنا هذا، فإن البكارة ما زالت مطلبا أساسيا يحرص الشباب على توفره في الشريكة، كما تحرص الفتيات أنفسهن على الحفاظ عليه إلى يوم الزفاف، ويتم التعبير عن البكارة بمجموعة من الألفاظ، التي لكل منها حمولتها ودلالتها الثقافية والاجتماعية؛ فهي "الصباح" وهي "تحميرة الوجه" وهي "السر" وهي "الشرف" وهي أيضا "الحياء" و"الحشمة"، لكن لماذا هذا التمسك القوي بالبكارة؟

حسب النساء، فالبكارة هي أهم ما تملكه الفتاة، هي مستقبلها، وبفقدها تفقد الحياة كلها، كما جاء على لسان بعضهنمن جهة أولى، فالحفاظ عليها يمليه الخوف من الطلاق وعقاب الزوج والطرد من طرف الوالدين والإهانة من طرف أفراد المجتمع، ومن جهة ثانية، فهي أصعب اختبار لصلاحية المرأة وعفافها، ومن ثم فالبكارة هي الوسيلة الأساسية لنيل الاعتبار الاجتماعي سواء من طرف الزوج أو من طرف الآخرين، إن أهمية البكارة في حياة الفتاة تتجلى أساسا، في نظر المبحوثين، خلال اليوم الثاني من حفل الزفاف، أي في ما يسمى بطقس "البْرَازْ" أي البروز، حيث تظهر العروس أمام النساء المدعوات إلى الحفل.

6/2005
 موقع الرقيب

التالي
« السابق
الأول
التالي »

تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon