لأن التمييز الجنسي لا زال قائماً في الثقافة والقانون.
لأن التعليم لا زال يعمل على إعادة إنتاج الفكر التمييزي.
لأن الفكر الظلامي والتمييزي اخترقا مجتمعنا وثقافتنا.
لأن الأمية لا زالت متفشية وخاصة وسط النساء.
ولأن تحقيق المساواة والمواطنة يستدعي الوعي بضرورة مشاركة الجميع في سيرورة بنائهما. كان لا بد من حملة وطنية لمناهضة العنف ضد المرأة. وضرورة مواجهة هذه الظاهرة المستفحلة. وبالرغم من أن السنوات السابقة لم تخل من مبادرات فردية لمنظمات وجمعيات وأفراد. حاولوا تعرية واقع العلاقات الاجتماعية المرتبطة بالأسرة، ووضع حد للعنف ضد المرأة. إلا أن هذه الجهود والدراسات لم تكن أكثر من تسليط ضوء على هذه الظاهرة. ولم تزودنا هذه الجهات إلى الآن بدراسات ميدانية وإحصاءات دقيقة. مما يستدعي وجود استراتيجية تتبناها جهات حكومية يسهر الجميع على تنفيذها وفق إطار شمولي يتداخل فيه القانوني والتربوي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي والإعلامي والصحي في آن واحد.
من هنا كان إطلاق الهيئة السورية لشؤون الأسرة حملة وطنية لحماية المرأة من العنف بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان وجهات رسمية كوزارة العدل والداخلية والصحة والتربية وناشطين من جمعيات حكومية وأهلية والاتحاد النسائي، هدفها رصد الظاهرة عبـر توفير معطيات حول واقع تتعرض فيه المرأة لمختلف أشكال العنف والقضاء عليه، وحماية المرأة المعنفة عبـر مراكز دعم للنساء المعنفات وإعادة دمجها وتأهيلها وتمكينها في الحياة العامة، وإخضاع المتسببين بالعنف لبـرامج علاجية.
إن الهدف الأساسي لهذه الحملة ليس الخوض بالجدل والتحليل النظري لمفهوم العنف، والذي حسم باعتماد الدول للمفهوم الذي تبنته الأمم المتحدة وأصبح ملزماً لها جميعها بالقرار 48/104 لعام 1993. بل بوضع واعتماد خطة استراتيجية عملية لمعالجة الأسباب وإيجاد حلول جذرية لها. و بـرأيي أن ظاهرة العف والتمييز تندرج في إطار الجدل القائم بين خطاب ذكوري راسخ يستند إلى دعامة بعض تفسيرات الفقه الإسلامي الذي يستمد منها مرجعيته وشرعيته، وبين الخطاب العقلاني الذي يستند في مضامينه على مبدأ المساواة الذي يمنح عناية خاصة للمرأة ودمجها في كافة مناحي الحياة. فالسلوك العنيف تجاه المرأة يؤكد استمرار اللجوء إلى الإكراه والقوة البدنية في انتزاع المطالب وحل الخلافات بشكل عام. وهي ظاهرة تعبـر في واقع الأمر عن تخلف ضمني في العلاقات الاجتماعية ككل، حيث يقصى منطق الحوار ولا يتم التسليم بمبدأ الحق الطبيعي في المساواة. ولعل هذا يدخل ضمن إطار العنف المنزلي الذي يشمل جميع الشرائح الاجتماعية ومختلف المجتمعات بما فيها المتقدمة.
والعنف لا يكون بالضرورة من طرف الرجل فقط. إذ أنه في العديد من الحالات نجد أن المرأة تمارس بدورها العنف بحق امرأة أخرى. مثل حق الأم في ابنتها أو سيدة البيت تجاه خادمتها، والأم تجاه زوجة ابنها، والزوجة تجاه أولاد أبناء الزوج من امرأة غيرها. وبالرغم من ذلك تبقى المرأة الضحية الرئيسية للعنف والتمييز داخل المجتمع.
وإذا أردنا أن نلقي الضوء على المواصفات التي يتميز بها ممارسي العنف نجد أنها لا تنحصر في عامل واحد وإنما قد نكون بصدد تركيبة بشرية أو حالات يتدخل في بنيانها العديد من العوامل المتشابكة مما يفرزه الإنتاج الثقافي والفكري والاقتصادي والاجتماعي. إن التعليم يأتي على راس وسائل التكوين الذهني للفرد بدء من المدرسة. فالمدرسة ليست مكاناً للتعليم والمعرفة فقط، بل هي مكان لتفتح العقل بامتياز.. والمناهج التي تكرس الصورة النمطية للمرأة ستنعكس على فكر وذهنية المتلقي (الطفل). وتجد لها في بعض المناخات تعزيزاً لإبقاء المرأة في هذه الصورة.
كما أن بضع المهن التي تتيح لممتهنيها التسلط والعنف ضد الغير، تؤدي عند البعض من هؤلاء لتطبيق هذا العنف داخل أسرهم. وكأن الأسرة امتداداً لعملهم. كما أن البطالة والأوضاع المتردية وغياب الأمن الوظيفي والمالي نتيجة عدم الاستقرار في العمل يفاقم هذه الظاهرة. لتتحول ظاهرة العنف من مستوى سلوكي تسلطي فردي، يحمل معه كل مظاهر العنف المادي والمعنوي. إلى إشكالية تيار فكري متحجر، يتعالى خارج الزمان والمكان، ويتعارض مع أبسط الحقوق الإنسانية. وهي كلها تتنافى مع المدنية التي تبنى عليها الحياة الحضارية. عبـر تأمين شروط ممارسة حقوق المواطنة وواجباتها، دون أي تمييز جنسي أو عرقي أو ديني، في مكونات البناء الاجتماعي.
لذلك أرى أنه من المهم التفريق بين كون العنف ضد المرأة ظاهرة اجتماعية تهم أفراداً، وبين كونه ظاهرة بنيوية من شأنه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى نوع من التعايش والتوافق مع العنف، أو الاكتفاء بالحلول الوسطى في التعامل معه. وهنا يأتي دور الإعلام والتعليم والثقافة والطب النفسي لتلعب دوراً حاسماً في نهج سياسة تحارب الثقافة المبنية على العنف ومحاصرتها في زاوية ضيقة منبوذة في المجتمع.
وخلاصة القول، إن محاربة ظاهرة العنف تستلزم استراتيجية وطنية متعددة الأبعاد والمجالات. وأتمنى أن نستطيع بالتعاون مع الهيئة السورية لشؤون الأسرة، الوصول إلى تنفيذها. وكما يقال أن تأتي متأخراً خيراً من أن لا تأتي أبداً.
تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon