حصل في قسم شرطة اليرموك: تحرش بها وهددها أنه "سيرشّ" 100 ألف ليرة في قسم الشرطة!

في كل دول العالم يكون قسم الشرطة عادة هو الملاذ الذي يلجأ إليه المواطن المظلوم حتى يشعر بالأمان تجاه من أوقع عليه الظلم، إلا في سورية فيبدو أن الأمر في كثير من الأحيان مغاير تماماً، إذ هناك نظرة تشكلت نتيجة ممارسات بعض عناصر أو أصحاب القرار في أقسام الشرطة تدل على صورة قاتمة أمام الفقراء والمساكين ممن يلجؤون إلى تلك الأقسام طلباً للحماية. فالصورة المعروفة هي أن يجهز أي منا حين يدخل القسم بصفته شاكياً أو مشكياً عليه مبلغاً من المال حتى يسير أموره ويحلحلها حسب العرف السائد، وهو ما حصل حقيقة في قسم شرطة اليرموك بتاريخ 2/4/2005 في مفرزة التحقيق من الساعة 12 ظهراً إلى الساعة السادسة والنصف مساءً.


من البداية

اتصلت معي هاتفياً السيدة (ح ـ ع)، وهي أم لطفلين وتربطني بها قرابة بعيدة، لتخبرني أنها تسكن منذ شهرين في منزل قد استأجرته مع زوجها في مخيم اليرموك، وأن صاحب المكتب العقاري المدعو (م ـ ك) يزعجها على التلفون بكلمات نابية، ويحاول أن يقتحم شقتها بعد أن يغادر زوجها السائق الليلي إلى العمل. إذ يرن جرس الباب ويختبئ ثم تلحظه من منظار الباب فتمتنع عن الرد، وقالت لي إنها لا تريد أن تخبر زوجها بكل ما يحصل تجنباً للمشاكل. وكذلك لا ترغب أن يعرف أهلها بالأمر لأنهم من عائلة محافظة وسينعكس الموضوع سلباً على كل حياتها. وكنت في ذلك الحين مشغولاً جداً فاقترحت عليها أن تغادر المنزل وتفتش عن غيره فوراً، وفعلاً اتخذت هذا القرار، ولكن لم ينته الأمر هنا.

منذ أسبوع تقريباً كثف المدعو (م ـ ك) صاحب المكتب العقاري اتصالاته معها حسب ماروت لنا (ح) وشرحت موضحة: (حين يغادر زوجي إلى العمل يتصل ويقول: قولي لي ابن عمي وسأكتب هذا المنزل الذي تسكنين فيه باسمك.. خذي الإيجار من زوجك وتصرفي به وأخبريه أنك أعطيتني إياه..أنا أحب المحجبات ملّ قلبي من غيرهن..إلخ. وكنت أغلق الهاتف ثم صرت أفصله تماما بعد مغادرة زوجي. وفي هذه الأثناء وبعد أن كتبنا عقد الإيجار في بداية سكننا بقيت عنده بطاقتي الانتخابية، فطالبه زوجي بها، فأخبره أنها في البلدية لإتمام العقد وبعد أيام ستأخذها، وطالبه أكثر من مرة إلا أنه كان يماطل. ومنذ أكثر من أسبوع رجع زوجي إلى عند صاحب هذا المكتب وكان يوم الجمعة ليطالبه ببطاقتي الانتخابية، فقال له: خلي المدام تأتي إلى عندي لتأخذها، وهنا حصلت مشادة ما بين زوجي والرجل وانتهت في قسم الشرطة لتحل هناك دون أي ادعاء. وكان هذا الرجل قد قال لزوجي: ما رأيك أن نشتري كيلو لحمة ونطلع نتعشى مع المدام؟! وهذا الموضوع كان من ضمن المشكلة أيضاً ومسبباً لها).

في الأسبوع التالي أي تحديداً مساء يوم الجمعة 1 نيسان 2005 قصد زوج السيدة المكتب العقاري ليطالب بالبطاقة الانتخابية لزوجته والتي بقيت مع صاحب المكتب ليستخدمها وسيلة ضغط على زوجته، فأنكر وجودها نهائياً. وحصلت مشاجرة أخرى. وفي اليوم الثاني أي السبت 2نيسان 2005 قصد صاحب المكتب العقاري المدعو (م ـ ك) قسم شرطة اليرموك ليقدم شكوى بحق زوج تلك السيدة، وخاصة حين أيقن أنه لن يستطيع أن يقيم أي علاقة مع زوجته. وقد جاء في الشكوى حسب الضبط الذي يحمل الرقم 1178 تاريخ 2 نيسان، أن المدعو (م ـ م)، وهو زوج السيدة تهجم على صاحب المكتب وسبه وشتمه وهدده إثر مطالبة صاحب المكتب له بكمسيون الإيجار، دون أن يذكر السبب الحقيقي للمشاجرة.

وهنا عمل القسم على عرض اسم صاحب المكتب وزوج المرأة على (الفيش) فتبين وجود سابقة عند صاحب المكتب، وهي سرقة، وأيضاً وجود نشرة شرطية أيضاً بحق زوج المرأة. وتم عرض الرجلين على القاضي المناوب مساء يوم السبت وقرر ترك الجميع إذا لم يكونوا مطلوبين لجرم آخر، ولكن أوقف الزوج لوجود نشرة بحقه.


قبل ذلك بساعات

اتصلت بي هاتفياً صباح يوم السبت 2 نيسان2005 السيدة (ح ـ ع) لتخبرني أن الشرطة قد أوقفت زوجها، وأن صاحب المكتب هددها بأنه (سيرش) 100 ألف ليرة في القسم من أجل أن تمشي كلمته. وكانت المرأة تبكي وتقول لي: ليس معنا نقود مثله، ولا أحد يستطيع أن يقف بوجه هذا الرجل. فتوجهت إلى قسم اليرموك، وطلبت منها أن تنتظرني على باب القسم. وحين وصولنا دخلنا إلى مكتب السيد رئيس القسم وحكيت له القصة كاملة، أي أن سبب المشكلة الأساسي ليس الكمسيون، لأن زوج المرأة عرض عليه الكمسيون أكثر من مرة لكن صاحب المكتب رفض استلامه. وحكت له المرأة عن تحرش صاحب المكتب بها، وأن الشكوى التي قام بها سببها عدم تجاوبها معه. وسقطت دموعها أمام رئيس القسم وأخبرته أنها من عائلة محافظة ومتشددة، وإذا ما علم أهلها فربما يذبحون الرجل. فرد رئيس القسم قائلاً: إذاً تريدين الشكوى على صاحب المكتب؟ أخبرته: نعم، فقال: هذه الشكوى كيدية، فشعرت بعدم الجدوى من الحديث معه، وهممنا بالمغادرة. إلا أنه طلب المساعد المناوب في مفرزة التحقيق وسأله عن القصة، فأخبره المساعد أن زوج المرأة موقوف لوجود نشرة شرطية قديمة عليه، وأن صاحب المكتب عنده في المكتب. فأمره رئيس القسم بمتابعة التحقيق، وغادرنا جميعاً إلى مكتب التحقيق فوجدنا صاحب المكتب العقاري يجلس بأريحية كبيرة مثل أي ضابط في القسم.


المفاوضات الطويلة والسرية

دخلنا إلى مكتب التحقيق وفتح المساعد دفتر الضبوط وسأل المرأة عما حصل معها، فأخذ يسجل ما تتحدث به، فقاطعها صاحب المكتب العقاري. وعندما تحدثت معه، سألني المساعد عن مهنتي، فأخبرته أنني أعمل صحفياً. فطلب بطاقتي الصحفية وتأكد منها ثم قال لي: أخبرني رئيس القسم أن لا تحضر التحقيق، ووجودك هنا يعدّ تجاوزاً، ثم طلب من صاحب المكتب العقاري المغادرة إلى مكتب آخر. وكان هذا الكلام الساعة 12 ظهراً، ومع إجراءات التحقيق أخبرني المساعد أن هذا الرجل، أي صاحب المكتب العقاري، غير نظيف وأنه سيوقفه ويقدمه إلى القضاء في حال قررت المرأة أن تشتكي عليه. وبعد استشارة زوجها وسؤالها لي قررت تقديم الشكوى. وفي الساعة الواحدة بعد الظهر قررت مغادرة القسم، وقلت للمساعد: اعتبر هذه المرأة أختك فهي أمانة في رقبتك، أرجو أن تُحصِّل لها حقها وتنصفها. فطمأنني وغادرت. وبقيت السيدة (ح ـ ع) في غرفة التحقيق ولم تنته إلا في الساعة السادسة والنصف مساءً، أي أنها جلست أمام هذا المساعد المحقق نحو ست ساعات ونصف، ولكن ماذا جرى في هذه الفترة؟ ولماذا التأخير؟.

أخبرتنا قائلة: (بعد مغادرتك جاء أكثر من رجل إلى القسم وهم أصدقاء لصاحب المكتب العقاري، وجلسوا في غرفة أخرى، وصار مساعد التحقيق يسألني سؤالاً ويذهب إلى عندهم. وقال لي أخيراً: إذا أردت الشكوى على هذا الرجل فسيضع أهلك بالصورة بكل ماجرى. وشعرت أن الجميع ضدي في هذا الموقف إلا شرطياً يبدو أنه ابن عالم وناس قال أمامي: يا حرام شو صار.. وظلت هذه المفاوضات، وأصررت على الشكوى، حتى الساعة السادسة والنصف تقريباً. ولم أقوَ على المشي حين غادرت بسبب التعب، وعرفت أن صاحب المكتب خرج من القسم إلى النيابة ثم إلى بيته دون أي مساءلة. عدت في اليوم الثاني إلى القسم لأخذ أوراقي ودفتر عائلتي، لأن المساعد قال لي أتركيهم هنا. فأخبرني مساعد آخر بجلافة وحِدَّة لا يوجد لك أي أوراق. فقلت له أريد أن أطلع على الضبط الذي يحمل الرقم 1178. فقال لي: لا يوجد ضبط بهذا الرقم.

أخيراً....

تقول (ح ـ ع): في لحظة ما شعرت أن هذا البلد هو لمن معه نقود فقط، لأن الجميع يقف معه حتى الله، ولم أشعر بالأمان إلا حين التقيت مع قائد شرطة دمشق، وشرحت له ما حصل. فبدا الانزعاج الشديد على وجهه، واتصل بقسم اليرموك واستدعي المساعد ليحقق معه، إذ مازال هناك أناس في بلدنا مع المواطن، وأنا أشكر قائد الشرطة من كل قلبي.

نقول نحن: كتب ضبط الشرطة الذي يحمل الرقم 1178 بطريقة محكمة وغير نزيهة، لأن صاحب المكتب أصر على إنكاره بطاقة المرأة الانتخابية، وكذلك أنكر أنه تحرش بها، وقال اتصلت نحو ثلاث مرات من أجل الإيجار، وهنا نستطيع التأكد من فاتورة الهاتف، ومن عدد المرات التي اتصل بها هذا الرجل، ولا نعتقد أن عشرين سطراً من أقوال هذه السيدة في ضبط الشرطة تحتاج إلى ست ساعات ونصف من أجل كتابتها. وأيضاً كتب تحت الإفادة بأنه تليت عليها إفادتها فأيدتها، في حين أن هذه الإفادة لم تتلَ على أحد. ربما تليت على صاحب المكتب العقاري فقط، وكذلك لم تتلَ أقوال الزوج (م-س) عليه، حتى إنه لم يعرض بالأصل على النيابة في مساء يوم السبت 2/4/2005، حسبما أخبرنا، وهذا يناقض كلام الشرطة في قسم اليرموك.

إن هذه الحادثة دليل واضح ومبرر للناس عندما يحلون مشاكلهم بأنفسهم دون التفكير باللجوء إلى أقسام الشرطة، ونستطيع التعميم ونحن على يقين من ذلك، وإذا أردنا فتح ملفات ما يجري في الأقسام بحق المواطنين فربما لا ننتهي، ومثلما ظل هذا الرجل طليقاً يوجد مثله الكثير، ولا نعرف حقاً حتى الآن أين (رش) المئة ألف ليرة سورية.

13/3/2005
جريدة النور

التالي
« السابق
الأول
التالي »

تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon