ليس لن مآوي ولا مراكز استشارة في سورية.. من يحمي النساء المعنفات؟!

لم تفلح ابتسامتها وصوتها المرتفع الهارب منها وحركات يديها المتسارعة من اخفاء حزنها وانكسارها اللذين فاضت روحها بهما. انها طبيبة تعمل في احدى عيادات دمشق لها من الشهرة والمكانه الاجتماعيه ما يجعلها أسيرة لمحاولة الترفع عن تلك الأمور التي تعاني منها أكثر نساء المجتمع. فكيف وهي المثقفة و القادرة على اتخاذ قرار والتكفل بمعيشتها لا تستطيع إيجاد حل لمشكاتها التي تساويها بمعظم النساء في مجتمعنا اللواتي تصادفهن كا يوم وتأسف لحالهن وتثور على العنف الممارس ضدهن. إنها امرأة معنّفة بشكل من أشكال هذا العنف وهذا ما قررت البوح به بعد معاناة شديدة وتردد طويل.

لقد عاشت مع زوجها منذ بدء حياتها العملية. ونجحت بعملها بقدر ما فشل هو. ومع مرور السنين تفاقم شعور الغيرة داخله؛ وتبدل الحب إلى حقد وغلّ على نجاحها وشخصيتها، انعكس على تعامله معها. فكان يتلذذ بإذلالها وإهانتها وهجرانها رغم محاولاتها المتكررة للوصول إلى حالة من التفاهم صوناً للحب الذي ما زالت تشعر به اتجاهه. لكنها كانت كمن يحارب طواحين الهواء وحدها دون معين. لا تستطيع اللجوء إلى أحد كي لا تكبر القصة وتنتشر! ولم تعثر إلا على صديقتها التي باحت لها. فقط لتفضي عمّا في نفسها. وكم تمنت لو أنه توجد مراكز أو خطوط هاتفية مخصصة للإستماع للنساء ضحايا العنف، تحافظ على الخصوصية والسرية، لإيجاد حل يساعدها أو يرشدها. رغم ما تملك من علم ومعرفة. فلذوي الاختصاص نظرتهم الصائبة في هذه المواضيع.

أما (هند-ج) فلها قصة مختلفة. فقد تزوجت بعمر لا يتجاوز الثالثة عشر، من رجل يكبرها بكثير؛ غني ومتعلم. لكنها، رغم سنوات زواجها العشرين، لم تستطع الوصول معه لطريقة في الحوار. فهي تجهل كيفية التعامل معه. حتى أنها لا تفهمه، وتشعر أن كل منهما يسير باتجاه! مهمتها الطبخ والعناية بالأطفال! أما هو فعليه المصروف فقط!

هند تفتقد الراحة النفسية. فلا هي سعيدة؛ ولا هو أيضاً! يسيران في فلكين مختلفين. وعند أول لقاء بينهما ينشب عراك شديد. فهو يرى أنها لا تحسن التصرف، ولا تفهم ما يريد مما يجعل حياتهما باردة. تقول هند:" لا أريد الطلاق منه لكني أريد أن أتعلم كيفية إيجاد حلول لمشاكلي أو أعثر عمّن يرشدني إلى الطريق الصحيح دون أن أخسر عائلتي".

ومن النساء اللواتي استوقفتني قصتهن السيدة (منال-ص). فهي عاملة في إحدى مؤسسات الدولة. كانت تأتي كل يوم إلى دائرتها متورّمةً جرّاء تعرضها للضرب الشديد المؤذي من قبل زوجها تارةً، وأخوتها تارةً أخرى! أخوتها اللذين يرفضون استقبالها ويضربونها بحجة أن المرأة ليس لها إلا زوجها! ويجب أن تتحملّه مهما كان قاسياً معها! ولا تستطيع ترك أطفالها بمفرهم مع والدهم القاسي عليهم أيضاً!

وبسبب جهلها بحقوقها كانت تعتقد أنها ستخسر أطفالها إذا طلبت الطلاق. ولن تستطيع الوصول لأي حق من حقوقها. حتى أنها كانت مقتنعة أنه من حق الرجل ضرب زوجته لتأديبها! هذا ما تعلمته من أهلها ومجتمعها! إلى أن ضاقت الدنيا بها ولم تستطع التحمل. رأت في إحدى المحطات التلفزيونية إعلاناً عن وجود مأوى لاستقبال النساء المعنفات يعمل على تأمين الحماية والمساعدة لإيجاد حل لمشاكل نساء كثيرات يتعرضن لأنواع شديدة من العنف والإيذاء الجسدي والمعنوي. تساءلت عن إمكانية إنشائه في سورية! حسب ما أفضت به إلينا عندما روت قصتها.

هذه عينة من نساء كثيرات في مجتمعنا السوري يتعرضن لأشكال مختلفة من العنف الموجود في كل التجمعات على اختلاف ثقافتها وظروفها ودوافعها! هذه هذه الثقافة والظروف التي، على كثرتها، لا تبرر العنف. بل هي مسببة له. لذلك كان لا بد من مواجهته إدانته. ومحاولة والتخفيف منه على الأقل.

من هنا برزت أهمية البحث عن مراكز تعمل على مساندة المرأة المعنفة ودعمها نفسياً وتأهيلها لبدء حياة جديدة تحت حماية المرأة ورعايتها.

مراكز لاستقبال النساء المعنفات. ومأوى للنساء المعنفات. وخطوط هاتفية للإرشاد القانوني والنفسي خدمات يجب العمل على إيجادها في سورية للمساهمة في القضاء على العنف في منازلنا! وهي متوافرة في أكثر من دولة عربية. ففي الأردن مثلاً تعمل المراكز وفق برامج محددة ومدروسة؛ تتبع فيها عدة طرق من أهمها التوعية القانونية لتعرّف المرأة بحقوقها. وتقدم لها برامج لمحو الأمية القانونية عن طريق عدد من المحاميات والمحامين؛ فتطرح المواضيع المتعلقة بالقوانين؛ كقانون الأحوال الشخصية لمختلف الأديان؛ وأصول المحاكمات الشرعية، وحقوق المرأة العاملة؛ والحقوق السياسية للمرأة وكذلك المدنية والتجارية؛ ومكانة المرأة في الاتفاقات العربية والدولية. وتتضمن أيضاّ جلسات توعية بحقوق الطفل.

ويتضمن المركز أخصائيين نفسيين واجتماعيين ومحامين يعملون وفق آلية مدروسة وبرامج محددة فالبرنامج الاجتماعي يعمل على استقبال الحالة وتحويلها -حسب نوعيتها- إلى المستشارة المختصة؛ وهي تقوم بتحديد طرق الحل عن طريق التعامل مع البيئة الاجتماعية المحيطة بالحالة؛ وتجميع أطراف المشكلة والالتقاء بهم للوصول إلى اتفاقية تلزم الأطراف بها وديّاً وتتابع تنفيذها هاتفياً وبالزيارات الميدانية.

أما البرنامج القانوني فهو يعنى باستقبال الحالة المحتاجة إلى الحل القانوني. وبالتالي تحوّل إلى المحامين وتوثّق بالبيانات الخاصة وتحدد طبيعة المشكلة وتعالجها.

ويشمل البرنامج النفسي معالجة نفسية لأسباب المشكلة من قبل أخصائيين. ذلك في حالة وجود مرض نفسي وهذا متوافر في أكثر الحالات.

أما بالنسبة لمأوى النساء المعنفات فهو مخصص لنساء يتعرضن لأنواع شديدة من العنف والإيذاء لا يستطعن التعايش معه. فيؤمّن الحماية والمساعدة لإيجاد حل للمشكلة بالتعاون مع أطراف القضية. وهذا المأوى بحاجة للتعاون مع الأطباء الشرعيين والقضاة ورجال الأمن الذين يؤمنون الحماية اللازمة له. فهو يتعامل مع خصوصية الأسرة. وهذا المأوى يستقبل المرأة مع أطفالها.

أما الخدمة الثالثة -الخطوط الهاتفية- فيعلن رسمياً عن أرقام هاتفية تستطيع المرأة من خلالها الاتصال بأحد الأخصائيين النفسيين أو الإجتماعيين للبوح بما تعاني منه. وبالتالي إراحتها نفسيّاً ومساندتها وتدريبها على حل المشاكل دون أن تُحرج باللقاء الشخصي. بالإضافة إلى وجود محامين تستطيع استشارتهم. مع التأكيد أن المقابلة الشخصية للمرأة المعنفة تحصد نتائج أفضل.

من هنا نتلمّس أهمية العمل جديّاً على وجود مثل هذه الخدمات في مجتمعنا السوري. مع التنويه إلى أنه توجد في سورية تجربة وحيدة مشابهة وهي جمعية (راهبات الدير الصالح) التي تقدم الخدمات للمحرومين والمهمشين والمنبوذين وتدافع عن المرأة والطفل.

لكن بوجود الرعاية الرسمية من قبل الدولة تتوفر الحماية ويزداد الدعم المادي والمعنوي وهذا ما نحتاج إليه في سورية.

26/1/2004
 النور

التالي
« السابق
الأول
التالي »

تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon