يعرف متروك الفالح العنف بأنه "كل تصرف أو سلوك بشري ينزع إلى استخدام قدر من القوة القسرية بما في ذلك الإكراه والأذى الجسدي. ويتضمن ذلك الضرب، والأذى النفسي وغيرها، وبخاصة استخدام تقنيات التعذيب أو انتهاك حقوق الإنسان بما فيها الاختلافات في المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية بهدف تحقيق غايات تتراوح بين الإخضاع والضغط والتهميش، أو الاستئصال والتصفية. وللعنف تداعيات قد تلحق الأذى ليس بالفرد المستهدف بل بغير المستهدفين أصلا، والأبرياء الذين لا علاقة لهم مباشرة بالأحداث التي ولدت العنف".
من هذا التعريف يمكن صياغة عدد من المفاهيم حول العنف الذي تتعرض له النساء، ليس في مجتمع بعينه بل في أغلب المجتمعات، بعد أن حاولت ثقافة المادة تحويلها من إنسان كامل الإنسانية إلى سلعة تتصدر واجهات الإعلام ووسائل الدعاية.
ويعتبر العنف الفيزيولوجي أو المورفولوجي للتفريق بين المرأة والرجل المقدمة الأولى نحو فرض كل أشكال العنف ضد المرأة، خاصة عند الانتقاص من إمكانياتها العقلية وقدرتها على استيعاب الأشياء والتعامل معها، مسقطين من الحساب دور التجربة والممارسة في خلق المهارات والكفاءات.
إذ يرى دوركهايم في أطروحته عن تقسيم العمل "أن تقسيم العمل أعطى الرجل الدور البارز في الانطلاق نحو العمل بينما تمركز وجود المرأة مع عائلتها وأصبح دورها أكثر تخصصا في هذا المجال." ولكن الخطير في الموضوع هو اتفاقه مع مقولة عالم الاجتماع ليبون "بأن تطور المدنية جعل المرأة تحيا وجودا مختلفا عن وجود الرجل فاضطلع أحد الجنسين بالأمور العاطفية والآخر بالأمور الفكرية فتطور دماغ كل من الجنسين باتجاه مختلف." ومن الأمور الخطيرة في هذا المجال ما صرح به لورنس سامرز، رئيس جامعة هارفارد في الولايات المتحدة، عن نظريته (القذرة) ضد النساء عندما قال في مؤتمر علمي بعنوان (النساء والعلم)، وعلى الملأ "إن النساء قد يكن في طبيعتهن أقل قدرة على استيعاب الرياضيات والعلوم"! وأشار سامرز "إلى أن النساء لا يتحملن الدراسة لمدة ثمانية ساعات لأسباب تتعلق بالواجبات العائلية، وهذا ما يجعلهن يتخلفن في الدراسة الثانوية." ولكنه أوضح "إلى إمكانية وجود فرق طبيعي بين النساء والرجال إذ أن الرجال أفضل من الإناث في هذا المجال." ورغم أن سامرز سارع إلى الاعتذار عن ملاحظاته بعد انسحاب إحدى المعلمات التي كانت تحضر المؤتمر والاحتجاج الواسع للنساء وتهديدهن بمقاطعة الجامعة إذا لم يعتذر إلا أنه بقي يوحي إلى ضرورة دراسة هذه الظاهرة وبيان أسبابها.
وإن كنا لا نميز بين الجنسين أو بين العلوم الاجتماعية والإنسانية وأهمية استيعابها، وبين الرياضيات وبقية فروع العلوم، حيث يبدو النوع الأول أكثر صعوبة كونه يحتاج إلى مزيد من الوعي المتعلق بالظواهر الخفية أكثر من الحسية التي توفرها الرياضيات والعلوم الوضعية فإننا نجد أن سامرز يلغي إبداعات النساء في التاريخ منذ بدايته هذا إذا لم يكن يسعى بهذه النظرية إلى الاقتراب مجددا إلى النظرية العرقية التي تميز بين البشر وفق العرق الذي ينتمون إليه لا وفق البيئة التي يعيشون فيها، وينسى سامرز الدور البارز للمرأة الذي كانت مرحلة الأمومة محطته الأساسية عندما كانت هي التي تدير الحياة بكل ما فيها من علوم وثقافات وعمل قبل أن ينقلب عليها الرجل. دون أن يعني ذلك أن نقوم بردة فعل نتحيز به نحو المرأة التي أثبتت دوما وقوفها مع الرجل وبالعكس في كافة المجالات، وبرز نساء عديدات فزن بجائزة نوبل في مجالات متنوعة رغم أن الفترة الزمنية التي اتيحت للنساء كي يدخلن هذه المجالات أقل بكثير من الزمن الطويل الذي أتيح للرجل. فالتعليم بكل أشكاله وحتى وقت قصير كان محصورا بالرجل لأسباب متنوعة. إن تصريح سامرز هذا يلقى صداه الإيجابي في المجتمعات المحافظة التي تنظر إلى المرأة بنفس المنظار، وعلى ذلك مثلا يصبح الإقبال الشعبي على الطبيبات من النساء أقل من الإقبال على الأطباء حتى ولو أبدت بعضهن تفوقا واضحا في اختصاصها يفوق الرجال. هذا العنف يمكن أن نسميه (بعنف الإهانة والحط من الشأن). ولكن هناك أنواع من العنف أشد قسوة تتجاوز هذا النوع، إلى الحرمان من بعض المزايا، والإيذاء بالمال أو الشرف والحياة أو بالحرية والحرمان من بعض ما تتمتع بامتلاكه. إن من أشد أنواع العنف قسوة ضد المرآة هو الطلاق الذي يؤدي تلقائيا ومهما توفر لها إلى حرمانها من حقوقها المادية واستلاب مشاعرها تجاه ماضيها وحاضرها ومستقبلها وأولادها وبيتها وحياتها وما كونته من أحلام أو العبث بمعيشتها. ولم يعد الطلاق ظاهرة إسلامية بل ظاهرة عامة في كل المجتمعات، ويعتبر الطلاق حقيقة شاملة للعنف سواء كان هذا الطلاق برضاها وطلبها أو من قبل الزوج، فهي لا تطلب الطلاق إلا من إذا وصلت بها الأمور إلى مرحلة لم تعد تستطيع الاستمرار في العيش المشترك مع زوجها. إذ من الصعب الإثبات أن المرأة التي سعت للزواج يمكن أن تسعى لحياة صاخبة من خلاله قد تؤدي إلى تدمير أحلامها التي بنتها على هذا الزواج. لقد أظهرت الدراسات الاجتماعية أن المرأة أكثر ميلا نحو العيش الهادىء، وهي تخطط لهذا العيش وتسعى للمحافظة عليه. ويعتبر الطلاق تعديا على الاستقرار النفسي والمعيشي للمرأة بعد أن أسست لحياتها الجديدة وتنازلت عن حياتها الأولى التي كانت تقضيها في بيت أهلها متمتعة إلى حد كبير بحنان ورعاية أكبر، ولا يغير من هذه الظاهرة ما يمكن أن تعانيه من قسوة الرجال في الأسرة تحت ضغط الخلاص من العنوسة من جهة وتكوين الأسرة، واستكمال رغبات الجنس والأمومة. إن أقسى أنواع العنف هو في إشعار المرأة بأنها لم تعد مرغوبة لدى زوجها وأهله رغم التضحيات التي تبذلها في هذا المجال أحيانا، ولكن العنف الأقسى هو حرمانها من أولادها، هذا العنف الذي لا يمكن السيطرة عليه إلا بالإكراه الشديد القسرية، إن المرأة على استعداد لتحمل كل أنواع الضغط أو الحرمان والإهانة عندما يتعلق الأمر بأولادها ومع ذلك تأتي اللحظة التي تصبح فيها بعيدة عنهم. والعنف الأقسى عندما تجد أولادها يسامون العذاب النفسي والمعيشي والجسدي على يد إمرأة أخرى هي الزوجة الجديدة للأب، أو في أحسن الأحوال يفقدون حنان أمهم ويصبحون عرضة لبعض أنواع الانحراف. ومن أنواع العنف الذي يسببه الطلاق، فقدان المرأة لتلك الأحلام والمشاعر التي كونتها عن بيتها الجديد ورغبتها الخالصة في الاستقرار فيه وبناء مستقبله، إلا أن هذه الأحلام لا تنزع عنها مكوناتها الإنسانية ومشاعرها الرقيقة التي تتحول إلى حالة من الانتقام المشروع عندما يتعلق الأمر بكرامتها وشرفها، إن الطلاق يسبب جراحا عميقة لمشاعر المرأة ويؤدي بها إلى إعادة رسم حياتها من جديد، إلا أن الظروف الاجتماعية وضغط المجتمع والأهل يجعلها تلجأ للبحث عن زوج آخر من جديد، والقبول أحيانا بأي زوج، إذ لم يعد لفارس الأحلام مكان في أحلامها التي انتزعت منها، وأصبحت خاضعة لتلك الكلمة القاسية (السترة) وكأنها البديل عن (فضيحة) مفترضة أو حتمية يخلصها الزواج منها. إن المرأة المطلقة تخضع لكل أنواع التشهير في المجتمعات المحافظة كيفما تحركت وتشعر أنها أصبحت عبئا ثقيلا تجاه أهلها بعد أن عادت إليهم ومعها أولادها الذين لا زالوا في سن الحضانة، خاصة في غياب أبويها عندها ستصبح تحت ثقل الأخوة ونساءهم، أو من الزوج الجديد نفسه الذي يشعرها دوما بمنته عليها وتضحيته بالزواج منها، وتخضع الزوجة الأرملة على حالات مشابه بل أنها تصبح وكأنها المسؤولة عن وفاة زوجها، وهذا ما تسمعه دوما (لولا أن الله أراد أن يعذبك لما رملك) ومن النتائج التي تترتب أيضا على الطلاق وأحيانا الترمل هو فقدان المرأة لحقوقها المادية خاصة المرأة العاملة التي تبذل جهدها في المشاركة ببناء بيت الزوجية وتأثيثه دون أن تسعى لتوفير الوثائق التي تثبت ملكيتها فيه، وإذا امتلكت مثل هذه الأدلة فإن الزوج الممتلك للعصمة يسعى على ممارسة كل أنواع الضغط ليجبرها على طلب الطلاق بنفسها مقابل التنازل عنها بما فيها أحيانا حق النفقة التي اقرها لها القانون أو القبول بحدوده الدنيا مقابل حصولها على حريتها واستعادة كرامتها. لذلك فقد فرضت الدول المتقدمة التي أجازت الطلاق شروطا قاسية على الرجل إذا ما سعى إليه أو كان السبب فيه. ففي استراليا مثلا تحصل الزوجة على 70 % من قيمة البيت ومحتوياته إذا ما طلقت، فكيف يمكن تامين الحقوق القانونية وفرض قوانين تحمي ا لحقوق الكاملة لنسائنا ؟ هذا هو السؤال الذي يجب على رجال القانون في بلادنا أن يجيبوا عليه أو يبحثوا عنه.
تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon