حكاية راغدة

من بئر الموت جاءني صوتها المقتول... يبحث عن الحياة، ويطفو فوق قشتها.. علها تحمله إلى موجة الإنقاذ، والخلاص...لكني مع هذا انتابني إحساس... بأنها تنزف وتحترق.. تتلبس الضوء وتعانقه بجناحي فراشة... عرفتها من خلال ابتسامة الحب، وألق العينين، وذكائها الشديد، ففي قذالتها... شمس الحياة تضيء الوجنتين.. تبعث الأمل أينما تحل، وعلى أي أرض تهبط...

راغدة..امرأة قاتلت الفقر والجوع... حين أسقطاها مرارا.. لكنها على الدوام كانت تنهض كمقاتلة، وتشرع حراب المعرفة وحب الحياة، والثأر من الفاقة، ثم تعود للنهوض من جديد... تشحذ الهمة فيمن حولها، وتمسك بعزيمة وثبات بأيديهم... راسمة لهم معالم الطريق نحو أفق الغد الأكثر إشراقا... منحازة لأنوثتها وأمومتها على الدوام... .

لكني مع هذا لمست في داخلها صراعا . . من نوع ما... صراعا بين الذات والواقع، والماضي... صراع امرأة... تريد الخلاص، وتحس بانعدام الثقة تارة مع نفسها، وأخرى مع محيطها، وبالذات فيمن اختارته طواعية... ليكون لها رفيق الدرب والحلم...

لم أستطع تصديق ما زخّته لي من كلمات... رغم بطئها ووهنها... كانت تصارع... وتشحذني... لا أعرف كيف خرج مني ما يشبه الصوت... بحثت عن الكلمات فلم أجدها...

كل ما أذكره أني نطقت ببعض المفردات ، والتي أحسست بها عاجزة عن تقديم ما يساعد... كنت أمام الموقف أعجز من نملة، وأكثر حقدا من نيرون !!!

منذ مدة، وأنا أحس بأن قاربهم بات يتحطم وأمواجهم عاتية ومجاذيفهم يأكلها السوس. . .سوس الحياة وصعوباتها وعدم تناغم المفاهيم بينها وبين سعيد !!!

وهاهي محطمة في المشفى تعبث بها ريح جنونية....أخذت منها الزوج الحبيب... لتبتلعه جنية العشق، وتسربله بأثواب براقة... من حب كهولة مزيفة... جاءها نافض يديه من الحب الأول متنكرا لعشرين عاما من العشرة والحياة المشتركة ، والأولاد !!! طار مع سراب الشباب، ولفحته شمس صيف قصير... مرت به سحابة عابرة... اعتقدها الغيث!!! الذي تنتظره كهولته القاحلة... فهرع يزرع الصحراء ويرمي بذوره في تربتها العقيمة...

بات يسخر من الزمن ويتحايل عليه بصباغ الشباب... يريد أن يعيشه من جديد... . مع من اعتقد أنها ستحييه وتتقمص روحه زارعة فيه حياة ثانية !!! هذا ما خيل لسعيد أنه يفعله... هرعت راغدة اليه تحاول بيديها الحانيتين إزالة قناع الزيف، وجعلت من صدرها واقيا لرصاصات الأخرى !!! ولأنياب الذئبة الجائعة التي تسول لها نفسها سرقة الآباء من أطفالهم والأزواج من زوجاتهم...

صدمت راغدة... رغم كل ما أبدته من تسامح وكل ما قدمته من عطاء... لم يعد لسحر أنوثتها فعل الريح... أمام زوج متمسك بشعوذة الشباب... وشباب راغدة يسير نحو الاضمحلال... لم تعد لها نضارتها السابقة فقد هدتها سنين القتال مع الجوع والفاقة لتجعل سعيد يقف مرة تلو الأخرى على قدميه... وحين باتت يده أكثر طولا وباعا... وجعلت منه إنسانا ذا قدرة خلاقة يمكنها أن تتغلب على فقر السنين الماضية... والآن جاء دوره ليحصد شبابا جديدا!!!

هكذا يخيل لسعيد. . . الرافض لغضون الكهولة وقلبه المصمم على الانزلاق في قارورة يحسبها يما... صاما أذنيه أمام لغة العقل والمنطق...

صارت راغدة ورقة صفراء تعبث بها يدي سعيد ورياح حبه الجديد... الذي يرفض الانصياع والعودة إلى درب البيت الذي يتهاوى... وكل ما تفتقت عنه مواقفه... . هو قوله لها... . :ــ إني لا أفعل منكرا !!!وما أقوم به ما هو إلا تطبيق لقواعد الإسلام !!!وما أنا إلا مسلم ويحق لي أكثر من واحدة... فلماذا تنكرين علي هذا الحق؟؟؟ وعلى كل حال أنا لا أتخلى عنك... إني مازلت أحبك... بل أني أحبكما معا!!!

انه حريص على ذئبته الجائعة، والتي باتت تحمل في أحشائها ثمرة شبابها الطائش، وتبحث فيه عن الأب قبل الزوج... ويدعي حرصه على راغدة... علما أنهما يقيمان ويقطنان بلدا علمانيا لا يسمح الجمع بين امرأتين !!!!لكنه يحتال على القانون، وعلى الذات وغارق حتى الأذنين في عتمة لا مهرب منها . . إلا إلى حافة الحياة... حيث لا يفتح له باب النجاة سوى على يدي راغدة... ولن يجد له بيتا في النهاية سوى وحدة السراب وتيه آل إسرائيل في سيناء..

وراغدة ماذا يمكنني أن أقول لها... سوى أنها في بلد يحكمه القانون ويمكنها لو شاءت لحطمت الدنيا فوق رأسه... لكن ما تحمله له من حب كبير يجعلانها... أسيرة التسامح والعفو... ان عاد عن خطئه ماذا يمكنني أن أقول لراغدة وهي رغم وجودها في بلد علماني لكنه لم يحمها من التفسير الخاطئ للإسلام ومن يقرؤونه حسب مفاهيم تخدم مصالحهم وغاياتهم ويتخذون منه شماعة ليعلقون عليها أخطاءهم وفاحشتهم القاتلة لكل خير والهادمة لبيوتهم.. ويجعلون من تفسيرهم الخاطئ فلسفة يحتمون وراءها... مغلقين عيونهم عن نور الحقيقة ويشهرونها سكينا يذبحون بها أعز الناس لديهم...

(قصة راغدة هذه واقعية وحدثت لإحدى صديقاتي، أضعها بين يديكن لتكون عبرة لكل من تسول له نفسه التلاعب بصيغ باتت بالية ولا تخدم سوى أغراض تافهة... كل ما فعلته.. أني بدلت الأسماء الحقيقية... ولكن جزيل شكري وتحياتي لكل جهودكن )

باريس - 16/1/2005
"نساء سورية"

التالي
« السابق
الأول
التالي »

تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon