خاص: "نساء سورية" العنف هو ممارسة وسلوك عدواني يصدر عن طرف ما بهدف إخضاع وإذلال طرف آخر، وإحداث أضرار معنوية ونفسية لديه. ومفهوم العنف ضد المرأة له معايير مرتبطة بمفهوم الرجولة في المجتمع الذكوري المهيمن والساعي إلى تحجيم المرأة وتكبيلها وتأطيرها ضمن إطار يحدده الرجل فهو الذي يحدد مدى الحرية التي تعطى للمرأة, وهو الذي يقرر متى تعطى حقوقها ومتى تمنع عنها! رغم كثرة الداعين لتحرير المراة ومساواتها مع الرجل من حيث الحقوق والواجبات, لكنهم في الظاهر يدعون لرفع شأن المراة ويطالبون بمساواتها بالرجل! وفي الباطن يحطون من قدرها ويزيدون من ضعفها ساعة يشاءون! ويمارسون كافة أنواع العنف على نسائهم.
ومع هذا كله نجد أن المرأة تشاركهم وتساعدهم بتطبيق هذا العنف عليها عندما تتحدث عن شؤونها وأوضاعها وفق معايير هذا المجتمع الذكوري ووفق ذهنية كل المجتمعات العربية! وهنا تكمن المشكلة الكبرى لأن المرأة اعتادت على هذا الوضع وقبلت به، فهي كانت في مختلف المجتمعات دون مستوى الرجل.
ففي المجتمع العبودي كانت جارية، وفي زمن الجاهلية كانت توأد قبل أن تبصر النور، وفي المجتمع الإقطاعي كانت عاملة تستغل لأبعد حد، وهذا العنف الذي كان يمارس على المراة له دوافع متصلة بنوع الجنس وهو يتم بفرض هيمنة الرجل على المراة فكريا وعمليا واجتماعيا. وأكثر أنواع العنف خطورة هو الهيمنة الفكرية إذ انه نتيجة هذه الهيمنة أصبح العنف أمرا طبيعيا أو محتوما في أي مجتمع أو ثقافة في العالم فكلها تنطوي على شكل من أشكال العنف وان اختلفت الطرق. وهذا الوضع يستمر لان المجتمع يسمح له باستمرار.
نستنتج من هذا كله أن التمييز يبدأ منذ الولادة حيث يزرع في ذهن الذكر أنه مميز ومتفوق على الأنثى, معنوياً ونفسياً وجسدياً, فالمرأة لم تعتد على غير هذه الطريقة في الحياة.
واليوم ورغم أن التطور لمس كل نواحي الحياة لدى المرأة لمس أيضاً طريقة التعامل العنيفة فأصبح أكثر تطوراً، فالجارية سابقاً أصبحت سلعة اليوم، والمرأة العاملة سابقاً أصبحت عالة على المجتمع، تعددت الأساليب والنتيجة واحدة، لم تتغير نظرة المجتمع للمرأة.
إن قضايا تحرير المرأة ومساهمتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية ونيلها حقوقها يعتبر جزء من قضايا المجتمع ويجب أخذه بعين الاعتبار بعيداً عن الخطابات والحوارات النظرية المطالبة بحقوق المرأة مع إيقاف التنفيذ، فمعاناة المرأة سواءً من الناحية الجسمانية أو النفسية أو الفكرية والحرمان من ممارستها لحريتها كإنسان كامل عاقل وقادر على اتخاذ القرار دون الرجوع لأي شخص آخر هو أمر في غاية الأهمية وفي صميم قضية العنف ضد المرأة.
وان ما نعيشه اليوم في عصر الحداثة والعولمة لا بد لنا من إعادة النظر بأساليب التعاطي مع شؤون المراة من جميع النواحي الاجتماعية والاقتصادية والنفسية ,ومعرفة الأسباب الرئيسية المؤدية للعنف, فمن الناحية النفسية تعتبر المراة نفسها سبب من العناصر المسببة للعنف المطبق عليها, إذ تولد نفسيا لدى المراة نوع من التعود والتقبل لهذا السلوك واعتبار أن التسامح والسكوت عليه رد طبيعي وذلك يأتي نتيجة جهل المراة بحقوقها وواجباتها ونتيجة جهل الطرف الآخر بهذه الحقوق أيضا.أما من الناحية الاجتماعية فالتربية العنيفة المبنية على التمييز بين الذكور والإناث التي ينشا عليها الفرد هي المولد الأساسي للعنف فالتربية العنيفة تنشا عن عدم احترام الرجل للمراة واستصغارها والحط من قدرها إن كانت أم أو زوجة أو أخت, وكذلك العادات والتقاليد: هذه الأفكار المتجذرة في مجتمعاتنا والتي تحمل النظرة الجاهلية لتمييز الذكر عن الأنثى كلها ساهمت في زيادة تكريس السلوك العنيف ضد المراة.
أما من الناحية الاقتصادية فرغم التطور الاقتصادي والتكنولوجي الذي نعيشه , ودخول المراة كافة الميادين ووقوفها إلى جانب الرجل في تحمل الأعباء الاقتصادية إذ أنها تعيل الكثير من الأسر إلا إننا ورغم ذلك نجد الرجل لا يزال في كل الأحوال يمارس قهرا عنيفا على المراة حتى وهي تحمل الأعباء عنه هذا من جهة أسرة المرأة إما من جهة المجتمع فكثيرا ما يتم استغلال المراة نتيجة الحاجة أو الخوف وتكون النتيجة أن تصبح المرأة عاطلة عن العمل أو تصبح سلعة تباع وتشرى , وهذا جزء مهم من موضوع العنف النفسي واللاأخلاقي ضد المراة , فالمرأة في هذه الحال تحارب وتعنف نفسيا واجتماعيا وفكريا وحتى عقليا إذ أن الرجل يعتبر المراة ناقصة عنه عقل ودين وأنها تابعة له ولا يحق لها الخروج من البيت أو العمل أو السفر دون موافقة السيد وهو الرجل. هذا كله يبين مدى العنف الممارس على المراة ويبين أن الطريق أمامها مازالت غير ممهدة فهناك عقبات مجتمعية لابد لها من حل بعضها يتعلق بوعي المراة وقدرتها على الدفاع عن حقوقها وبعضها يتعلق بالمجتمع ووعيه وقدرته على تفهم المراة ومساعدتها على النهوض بنفسها وبأسرتها ومجتمعها وإعطائها دورها كاملا ومساعدتها كي تكون وتبقى عزيزة وكريمة وحمايتها من كل أشكال الاستغلال فالمراة رغم المواقف الرافضة تبقى نصف المجتمع المكمل والأساسي للرجل كما هو بالنسبة لها لذلك يجب العمل على تغيير وضعها المرتهن بالظروف الاجتماعية والاقتصادية السائدة في المجتمع العربي بشكل عام , وتخليصها من كافة أشكال العنف والفقر والأمية ودراسة جميع الآثار السلبية لعدم إشراك المراة بدور حقيقي فعال في المجتمع وتقدير جهودها في جميع الأنشطة لان المرأة كما الرجل لا تستطيع أن تصنع مستقبلها في العصر الراهن مالم يساندها المجتمع مدركاً لمكانتها ودورها كعاملة وكعالمة وكامرأة, وان أهم خطوة يمكن اتخاذها في هذا المجال هي توعية المرأة بواقعها وحقوقها والتي هي جزء هام من تطورها، ومدى مساهمة هذا الوعي في تقوية مطالبتها لهذه الحقوق المشروعة والتي يجب أن تحصل عليها بإرادتها لا أن تطلبها من احد , لأن ذلك بحد ذاته اعتراف للأخر بأنه المتحكم بها والذي يمسك زمام الأمور وكأنها ملك من ممتلكاته وكان المرأة لم تخلق إلا كأداة لمتعة الرجل أو وسيلة لإنجاب الأطفال. يجب تحرير المراة من الدور التقليدي الذي تمارسه كزوجة وربة منزل ودفعها إلى العمل واثبات الجانب العملي لتحررها بعيداً عن الجانب النظري الذي لا يقدم ولايأخر في وضع المرأة بشيء, وكلنا يعلم قدرة المرأة على الإبداع والعمل على أكثر من صعيد في نفس الوقت فهي مخلوق الصبر والطموح والإصرار المحاط بالإنسانية المطلقة..
تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon