الحضارة بين المدنية والثقافة

الحضارة كلمة عالمية الإستعمال قد أخذ البعض باطلاقها دون تدبر لمعناها الحقيقي كما اختلط الأمر بالنسبة للبعض فدمجوا بين مفهوم الحضارة والمدينة والثقافة..

الحضارة كلمة عالمية الإستعمال قد أخذ البعض باطلاقها دون تدبر لمعناها الحقيقي كما اختلط الأمر بالنسبة للبعض فدمجوا بين مفهوم الحضارة والمدينة والثقافة. لكن لو بدأنا بالبحث عن معنىكل من هذه الكلمات على حدى لوجدنا اختلافاً فالحضارة تعني بالعربية الإقامة بالحضر وسميت بذلك لأن أهلها حضروا الأمصار ومساكن الديار وهي خلافاً للبادية.
لكن أول من أعطى اسماً للحضارة بمعناها الحقيقي الشامل هو المؤرخ ابن خلدون ذاكراً إياها بكلمة العمران للتعبير عن مفهمومها.
في أوروبا كلمة حضارة civilisation اشتقت من الكلمة اللاتينية civitas تأتي ترجمتها بمعنى مدينة – دولة.
أماكلمة ثقافة ومعناها اللغوي في العربية يأتي من حاذق أو الفهم في اللغة اللاتينية والأوروبية الحديثة تعني الزراعة بالإضافة إلى معناها التربوي وقد عرفها تايلور: أنها الكل المعقد الذي يشتمل على المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق القانون والعادات كل ما يمكن أن نفهمه و الطريقة التي يعيش ويفكر بموجبها شعب من الشعوب ويما يأتي به الفرد من تصرفات كعضو في المجتمع.
إذاً نجد في تعريفها أنها اشتملت على مبادىء التربية والمثل العليا والعلوم والفنون الجميلة إضافة إلى درجة تقدمها متضمنة التقاليد والعادات الإجتماعية كافة بما فيها من عقائد ونظم حتى المستوى المعيشي والأخلاقي ومدى الحرية بجميع مظاهرها هذا مادلت عليه من معنى في اللغة العربية.
 أما المدنية بالعربية كلمة مشتقة لغوياً من المدينة تدل على نوع راق من حياة الإستقرار والتحضر خاصة أنه في المدن تتجمع قدرات وإمكانات لا نجدها في القرى وهي تعني الحضارةكما ذكرنا بالنسبة للغة الأوروبية من هنا يأتي الدمج بين المفاهيم الثلاثة لكن رغم الخلط الحاصل في كثير من الأحيان عند البعض وعدم الفصل بينهم نجد هناك اختلافاً ذلك أن موضوع الحضارة هو أعمق بكثير ولا يمكن للمدنية والثقافة تفسيره فقد وضع المفكرون وعلماء الآثار والتاريخ والانثربولوجيا أسساً عديدة للبحث في مفهوم الحضارة ونشوئها وتطورها من خلال دراسة التاريخ وما وقع للأمم القديمة واعتمدوا أنه لنشوئها وازدهارها لابد من شروط مناسبة يجب توفرها وهي عديدة أولها الشرط الجغرافي فالبيئة الطبيعية المناسبة وتوفر المنطقة الملاءمة هام جداً لنشوء الحضارة يليه بالأهمية الشرط الاقتصادي فبعد الإستقرار لابد من توفر الغنى والثروة أي ما يؤدي إلى الربح المادي من تطور في أساليب الإنتاج فالحضارة وليدة الغنى والثروة لكن هذه الأمور لا تثبت إلا بنظام سياسي معين وتقسيم اداري دقيق وتشكيلات راقية تمكنها من التعلق بالمركز.
ثم نأتي في النهاية إلى ذكر الشرط الإجتماعي وما يتعلق به من الأمور الفكرية فاللغة والجوانب الروحية هي مفتاح للحضارة يردفها موضوع القانون والعدل أما الفنون فهي عنوان الحضارات بما تمثله من عمران وجمال - موسيقى ولا شك أن هذا كله يؤدي إلى تقدم العلوم والحرف والمهارات. هذه الشروط التي ذكرناها لا تنتج إلا من جهد عال للإنسان تفاعل به مع البيئة.
من هنا نجد أن كلمة الحضارة عند الأوربيين بمعنى المدنية قاصرة عن الإحاطة بمضمون المعنى الحقيقي للكلمة ولم تر النور حتى فسروها في القرن الثامن عشر الميلادي وتأتي تسمية ابن خلدون لها ( العمران ) أكثر ملاءمة لأنها احتوت بمفهومها على المدنية الضخمة بأبنيتها وقصورها ومعابد سكانها كما ضمت عدداً من القيم العالية للثقافة التي انتجها الجنس البشري لقد كان منظور ابن خلدون للحضارة أو كما ذكرها (العمران ) أنها تنشأ حالما يوجد نوع من التنظيم الإجتماعي والديني وأن حجم السكان يحدد الحضارة السائدة لذلك عندما تزدهر الدولة تزدهر حضارتها وتتقدم الحرف والعلوم ويتم الانتقال تدريجياً إلى الرفاهية فكان ابن خلدون بما أورده من تفسير للموضوع صاحب الفضل الأول في إنشاء وإرساء قواعد الدراسات الحضارية وتحديد معنى الكلمة بأبعادها الصحيحة فسبق بذلك الأوربيين بربع قرن .
من خلال هذه البرهنات نجد أن مفهوم الحضارة قد احتوى علىالثقافة والمدنية وهذا ما لم نجده في المعنى الحرفي لترجمة كلمة الحضارة التي تمثلت في أوربا بحياة المدن فهي لم تعبر إلا عن مرحلة متقدمة من حياة البشرية بينما الحضارة أقدم وأشمل تمثلت في معظم الشروط التي ذكرناها وهي موجودة في مراحل الحياة المتقدمة عند البدو وسكان القرى والبشرية جمعاء منذ المراحل الأولى من حياتها فمن المعروف أن الإنسان استقر أولاً في مستوطنات وقرى صغيرة تطورت مع الزمن إلى قرى كبيرة ثم مدن هذا التطور هوقصة صراع الإنسان بما اوتي من عقل وقوى لتسخير الطبيعة لمصالحه فهو يحاول بإستمرار إخضاع قوى الطبيعة لسلطته والإستفادة منها لتنشىء قصة الحضارة.
وإذا حاولنا أن نتتبع القصة منذ بدايتها ودراستها كظاهرة أساسية من مظاهر الماضي الإنساني نجد أساسها أوأصلها هو حضارة المشرق العربي فرغم اكتشاف حضارات أمريكا القديمة كالمايا أوالأزتيك والبيرو لم يغير اكتشافها من أهمية المشرق العربي في اعتماده كأصل الحضارات لأنها حضارات ولدت وماتت في مكانها ولا يوجد أي دليل على أن امريكا الموجودة اليوم هي امتداد لما تم اكتشافه لأنها إبنة الحضارة الأوربية وهذه الأخيرة سليلة الحضارتين اليونانية والرومانية اللتين تلقتا الدروس من بلاد المشرق القديم بابليين – اشوريين – كنعانيين – سومريين – مصريين وطبعاً لم يكن بالإمكان التعرف على كل تلك الحضارات إلا من خلال الحضارة الإسلامية التي قام علماؤها بترجمةكتب اليونان والرومان مما مكن العالم من التعرف على ثقافتهم وعلومهم المختلفة خاصة أثناء اختلاط الأوربيين بالمسلمين العرب في الأندلس وصقيلية والحملات الصليبية السبعة خلال قرنيين من الزمن مما ساعد على نقل معظم ما أنتجه العقل الإنساني في المشرق إلى أوربا ولأهمية المدونات العربية استمرت الجامعات الأوربية حوالي ستمائة سنة معتمدة عليها وعلى أساليب بحثها حتى الدين انتقل إليهم من الشرق لذلك من الطبيعي القول بأن الحضارات في المشرق العربي بما فيها من جهود وفضل وأشياء ميزتها حملت الخير في سبيل غايات حميدة للإنسانية.
ويبقى العالم الحديث والإنسان في عصرنا مدين للمشرق العربي بحضارته لأنه بدأ الخطوة الأولى بتاريخ الإنسانية منذ عصور ماقبل التاريخ والإختراعات الأولى التي كانت نقطة في نشوء الحضارة حتى بداية عصور الإنحطاط في تلك المنطقة.
ولكن ماالذي قدمته الحضارات الحديثة للبشرية اليوم وهل ستعطي العالم أساساً لولادة حضارات لاحقة كما كان حال الحضارات القديمة؟
وهل يمكن لأصحاب الحضارات التي خبت أن تعيد مجدها وتنشىء حضارة جديدة؟


         
المراجع:
أحمد بدر – الحضارة الإسلامية
د.جورج سارتو –مقالة – مهد الحضارة الغربية في الشرق الأوسط – ترجمة فاطمة عصام صبري –
مجلة التراث العربي - نيسان 1989
د. نعيم فرح – التاريخ القديم وما قبله – جامعة دمشق
د. فيصل عبدالله +د. عيد مرعي – المدخل إلى تاريخ الحضارة _ جامعة دمشق
كتاب الشرق والغرب _ الجزء الثاني _ (سلسة من المقالات لعدد من الكتاب)
د.محمد عبد الجبار +د.محمد عبد العليم مرسي _ مقالة- مفاهيم إسلامية وغربية عن الحضارة_
 مجلة الفيصل العدد 112


   

التالي
« السابق
الأول
التالي »

تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon