هل نشهد "محاكم تفتيش" جديدة في سورية؟!

هل نشهد "محاكم تفتيش" جديدة في سورية؟!  

افتتاحية "نساء سورية"

قد يبدو العنوان غريباً! خاصة منا نحن الذين أكدنا خلال فترة عملنا الماضية كم أن مجتمعنا السوري ورجال ونساء الدين فيه يمثلون الجوهر المنفتح والمتسامح للإسلام والمسيحية. وأبرزنا جهودهم المجتمعية في تطوير علاقة الفرد مع الفرد، والفرد والمجتمع بعضهم ببعض. دون أن نغفل وجود قلة لهم رأي مختلف. وهنا أيضاً أكدنا على أن الاختلاف في الرأي لم يكن يوماً من خارج سياق ثقافتنا التاريخية بكافة مكوناتها ومصادرها. وقلنا مراراً أن الحوار هو مفتاح وحيد لنا جميعاً، وإن كان مفتاح جديد لم نعتده ولم تجر تربيتنا على أساسه. أي أننا نحتاج إلى بذل المزيد من الجهد من أجل أن يقوم بدوره الخلاق في إيجاد وإطلاق أفضل الحلول لهذه المشكلة أو تلك.

لكن مشكلة هذه القلة التي نتحدث عنها أنها لا ترفض الحوار العلني المفتوح وحسب، بل إنها تلجأ إلى أساليب من الصعب إيجاد أوصاف جيدة، أو حتى حيادية لها! معتمدة على مسؤولين هنا وهناك لا يجدون ما يمنع أن ينسفوا مبدأ المواطنية الأساس في وجودنا وعلاقتنا بعضنا ببعض، لصالح قناعاتهم الخاصة!
في قائمة المواد المنشورة أدناه تجدون مقالة للدكتور محمد حبش، رئيس مركز الدراسات الإسلامية وعضو مجلس الشعب يشير فيها إلى بعض أوجه سلوك أولئك. وواضح أن هذا السلوك لا يمكن أن يتم في سورية دون موافقة، أو غض نظر من الجهات المعنية! وهذا سؤال كبير حقاً كما طرحه د. حبش.
إلا أن الواقع أكثر من ذلك على أوجه مختلفة. فخلال الشهور القليلة الماضية جرت تدخلات كثيرة من بعض الشيوخ الذين يعتقدون أنهم أوصياء على الدين وعلى الناس! وأن لهم الحق في التدخل السافر في شؤون حياتهم! مترافقاً ذلك مع (ترفعهم) عن تقديم جملة كاملة من الخدمات للناس، كان يمكنها بحكم الإمكانيات المالية وسعة الإنتشار والصلاحيات الواسعة وغيرها.. أن تغير جدياً في حياتهم العملية! وهو ما سوف نتناوله في مقال لاحق.
وسوف نستعرض هنا ثلاثة من أبرز التدخلات التي نشير إليها.
1- أصدرت دار "بيترا" السورية كتاباً مترجماً بعنوان "فلينزع الحجاب" للسيدة الإيرانية شهداروت جافان. ورغم أن الكتاب لا يسيء إلى الدين الإسلامي، ولا يتناوله. بل يتناول ممارسة له وفق تجليات محددة بتجربتها الشخصية، وكل ما تطالب به هو منع فرض الحجاب على البنات قبل سن 18 عاماً. وترك الحرية لهن بعد هذا السن في ارتداء الحجاب أو لا. وبعيداً عن النقاش حول مضمون الكتاب الذي عجز (العلماء) جميعاً عن تناوله ببساطة وعلى قاعدة الحجة بالحجة! هذا العجز المزمن لدى بعض من يدعون حرصهم (العنيف) على الدين الإسلامي! فالذي جرى أن الكتاب كان قد حصل على موافقة وزارة الإعلام رسمياً. وهي الجهة الوحيدة المخولة صلاحية رفض طباعة كتاب أو قبولها! وفجأة، إثر المؤتمر الذي عقدته دار إيتانا لمناقشة قضية (المرأة والتقاليد)، سارع بعض أولئك الذين نشير إليهم إلى ممارسة الضغوط عبر جهات عدة حتى فرض منع تداول الكتاب! بل أكثر من ذلك، وصل الأمر إلى سابقة خطيرة في التقاليد السورية وهي أن يصدر السيد رئيس مجلس الوزراء قراراً بمنع مؤسسات الدولة كلها من التعامل مع داري إيتانا وبترا! في خطوة تذكر مباشرة بمحاكم تفتيش (عصرية) تعجز عن التعامل مع كتاب! مع كلمات من حبر! مع أفكار! ولكنها تقبل الكلمات التي من حبر ومن أشرطة كاسيت وتبث فكر التكفير والتخوين وتحط من قدر نصف المجتمع وتسيء، أول ما تسيء، إلى الدين الذي عُرف أولاً بدين الرحمة والتسامح! وتقبل أن تحشد الكراهية في الشوارع أياً كان مسماها!
2- الحادثة الثانية هي حين ألقت صبية قصيدة شعرية في المركز الثقافي بسلمية. وصادف أن بعض الحضور من هؤلاء الذين يفهمون الأمور على (كيفهم)! ويعتقدون أن واجبهم هو مسح كل كلمة لا تعجبهم من قاموس الناس! وإبقاء فقط ما يعتقدون أنه مناسب. فسارعوا إلى الشكوى إلى إحدى الجهات الرسمية التي سارعت بدورها إلى اتخاذ إجراءات بحق الصبية والجهة المنظمة للأمسية، في خطوة شكلت بدورها سابقة أثارت استهجان الناس استهجاناً شديداً خاصة مع جمل أطلقت مرافقة لتلك الخطوات! وكاد الأمر أن يتحول إلى كارثة حقيقية لولا أن تم استيعاب الموضوع برمته بإجراءات مختلفة! هذه المرة أيضاً وجد هؤلاء الناس أن (قطع الرقاب) عبر المنع والقسر والطرد و.. هو الوسيلة وليس النقاش والحوار حول ما لم يعجبهم! والأهم أنهم لم يجدوا في الناس مستوى (لائقاً) بمستواهم! بل عبروا عن نظرتهم الخاصة لدورهم ومكانتهم عبر الشكوى مباشرة لتلك الجهات بهدف الإقصاء والمنع!
3- أما الحادثة الثالثة، ويبدو لنا أنها الأكثر خطورة، فقد حدثت قبل أيام فقط.
خلال السنين الماضية قامت جمعية تنظيم الأسرة في سورية بدور رائد في الخدمة الإجتماعية. خاصة لجهة نشر الوعي الصحيح على أكثر من مستوى. يتسنم أعلاها المستوى الصحي. ومشاركة منها في حماية مجتمعنا وأبنائه وبناته من خطر الإيدز الذي بات خطراً داهماً على العالم كله، وثبت أنه لا حدود يمكن أن تقف عائقاً في وجهه، قامت الجمعية بالتشارك مع وزارة الصحة السورية بتدريب مجموعات من الشباب والشابات على كيفية نشر الوعي الصحيح للحماية من الإيدز. وعلى رأس أولويات هذا الوعي الدعوة إلى الأخلاق والالتزام بالعلاقة الجنسية الأحادية عبر الزواج. ولأن الجمعية، ووزارة الصحة، وكل الذين يهتمون بأبعد من (سلطتهم) المتربعون عليها، يعرفون أن هذه الدعوة هي جزء واحد لا يكفي، خاصة في بلد يرتفع متوسط سن الزواج فيه إلى أكثر من 30 عاماً، وتنتشر في كل مدنه بيوت الدعارة المحمية بأشكال متعددة! ويعرفون أن إيضاح أساليب انتقال الإيدز في الممارسة الجنسية، وكيفية تقليل العدوى من خلالها إلى أدنى حد يدخل في باب الوقاية الصحيحة والسليمة ولا يدخل في باب الدعوة إلى الإباحية، فقد كان جزءا من برنامجهم، هو جزء لا يسعنا إلا أن نشد على أيدي جميع الشباب والشابات الذين قاموا به، وجميعم، بشهادة كل من التقاهم أو عرفهم، من أرفع الشباب والشابات أخلاقاً وقيماً، وهذا أحد المعايير التي تعتمد أساساً في اختيار الفريق، إذ لا بد أن يكون الشاب والشابة بهذه السمعة والأخلاق حتى ينقل الوعي الصحيح! كان جزءا من برنامجهم هو نشر الوعي الوقائي عبر تأكيد دور العازل الطبي، وتجنب بعض الممارسات المختلفة، في الوقاية من احتمال انتقال عدوى المرض الفتاك! دون أن يغيب عن أذهانهم، مرة أخرى، التأكيد على أن الوقاية هذه لا تعني بحال من الأحوال موافقة أو دعوة لممارسة الجنس! ويعرف القاصي والداني من المتابعين لتطورات هذا المرض أن الرجال المتزوجين هم أشد ناقلي المرض خطورة!
ومرة أخرى، أحد الذين يعتكفون خارج الحياة، سمع بهذا الأمر، فبادر مباشرة إلى الاتصال بجهة رسمية لم تجد إلا أن تفتح تحقيقاً في الأمر! تحقيقاً لم يطل الجمعية ومجموعات العمل وحسب، بل طال حتى أسماء مرموقة ومشهود لها كرجل معروف بنزاهته وعلمه ويحمل شهادة دكتواره في الشريعة! وهو كان ممن، وربما الوحيد من رجال الدين، الذي حضر نشاطات في إطار هذا العمل!

هذه النماذج الثلاثة، وغيرها، حدثت في سورية في الأشهر الماضية! ولم تجد من يقول لها: كفى! إن حياة الناس في هذا البلد يحكمها عقد من القانون وسيادة عليا للقضاء! ولا يحكمها نزوع هذا الرجل أو ذاك! هذه الجهة أو تلك! ومن الخطر الجدي ترك هذا الأمر على غاربه! وفي الحياة دائماً من لا يعجبه هذا الأمر أو ذاك! أو يختلف مع هذا الرأي أو ذاك! فما الذي سنصل إليه إذا استمر هذا المنهج في التغلغل ليسيطر على حياتنا؟ وأي مستقبل ننتظره حينذاك؟!
وفي السياق ذاته، لابد من الإشارة أيضاً إلى مسألة بات ملحة حقاً. وهي إسباغ البعض صفة القداسة على هذا الرجل أو ذاك لمجرد أنه يحمل لقباً دينياً! حسب معرفتي المتواضعة بالدين الإسلامي لم يعد هناك معصومون على قيد الحياة! فإذا كنت مخطئاً في ذلك أشيروا علي بأسماء المعصومين! وأيضاً حسب معرفتي المتواضعة تلك، لا يعتمد الإسلام مبدأ العقاب أو الثواب الجماعي! بل إن أهم أسسه هو الحساب الفردي حتى إن أماً لا تستطيع أن تحمل ذرة من حساب ابنها الرضيع! ومرة ثالثة حسب معرفتي المتواضعة أن الإسلام أكد مراراً على أن الأخلاق والسمو والصلاح يسم الإنسان من خلال عمله، وليس أبداً من خلال مكانته الاجتماعية أو الدينية أو دوره أو لباسه أو طريقة نطقه أو مدى حفظه أو .... إذا كنت مخطئاً فقولوا لي! أخبروني أن لقباً ما يحمل بذاته كل هذه القيم الإيجابية وليس الشخص الذي يحمل القيم واللقب معاً! وإذا لم أكن مخطئاً، فكفوا عن رفع هؤلاء البشر الفانين، أياً كانت صفاتهم ومراتبهم، إلى مستوى القداسة! حتى إن كل كلمة ينطقون بها كادت أن تكون.. معصومة!

نحن لا نطالب أحداً ولا جهة باتخاذ أي إجراء نحو هؤلاء أو غيرهم عبر نقاشنا هذا. ما نطالب به هو أن تكف بعض الجهات عن إفساح المجال لتدخلات من هذا النوع! ومرة أخرى، نحن في بلد لا سيد فيه سوى القانون.

 


   

 

التالي
« السابق
الأول
التالي »

تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon