الاختلاف..

الاختلاف ملح الحياة، والتنوع جوهرها، وبشكل أدق الاختلاف هو الحياة. لا داعي لمزيد من المقدمات الكبيرة.... دعونا نضيق المسألة أكثر ونسقطها بشكل مباشر على واقعنا.

ثمة اختلافات كثيرة في مجتمعنا، فبين متديّن وعلماني، وغني وفقير، ومتعلم وغير متعلم، وابن قرية وابن مدينة توجد حدود اصطناعية لا داعي لوجودها، إنها حدود رسمها من يريدون أن يرفعوا الحواجز حتى لتصعب علينا الرؤيا، ولا يهمّ من يكون هؤلاء (رجال دين، متحررون، متفذلكون...)، المهم في الموضوع أن لا تنال هذه الأفكار شيئاً من عقولنا، وتحكم سلوكنا مع الآخر، وتجعلنا نشعر اتجاهه بعقدة التفوق.
هذه أفكار وسلوكيات لا تساهم في بناء المجتمع، بل تساهم في تهديمه، وفي بلد مثل سورية يضمّ بالإضافة للاختلافات السابقة مزيجاً من الاختلافات العرقية والدينية يجب أن يكون هذا الاختلاف عامل قوة لا ضعف، ومصدر غنىً وإبداع لا بشاعة وتشوه، فالأمم العريقة هي التي تستوعب نفسها بنفسها، وتهيئ لأبنائها فرصة لأن يكبروا معاً وينجحوا معاً.
ويؤسفني هنا بعض من تتقزم عقولهم للحد الذي يتحولون فيه إلى مجرد متكبرين متعالين متنطّعين في مواجهة من يختلفون عنهم، ظناً منهم أنهم أدنى منهم مستوىً، وأقل قدراً وقيمة وأصلاً...وربما مثوىً..!!
وبحسبة بسيطة يمكننا قبول الاختلاف عندما نؤمن بأن أحدنا لا يملك الحق المطلق، ولا هو على الصواب دائماً، عندها نستطيع تبرير ما للآخرين كما نبرر ما لأنفسنا، ثمّ إن أحداً منّا لم يختر ظروفه وواقعه، فمن وُلد لأبوين مسلمين سيكون مسلماً، لكنه سيكون غير ذلك إذا صادفه الحظ في مكان آخر، نفس الشيء ينسحب على العرق والنسب وغيرها.
على أن صفة واحدة تجمع الجميع في دائرة واحدة، لكنها كافية لأن تلمّ الشمل وتجعل العالم والوطن أكثر إشراقاً وهي(الإنسانية)
الإنسانية هي هذه التي تستيقظ فينا عندما نرى ولداًَ يتضوّر جوعاً في أثيوبيا وقد بان قفصه الصدري، فينفطر قلبنا عليه دون أن نعلم إلى أي دين ينتمي.
تماماً كما يحصل عندما نرى شاباً يساعد عجوزاً في الشارع، فنشعر بالامتنان تجاهه دون أن يعنينا إن كان متعلماً أم غير متعلم، فقيراً أم غنياً.
إذاً لا شيء غير أمراضنا النفسية هي التي تفرقنا، فتسكننا في غياهب وعوالم من الحقد والتعصّب والتحفّز، فنصبح كما الحيوانات الملجومة الجائعة، تؤذي كل من يقترب منها.
في ملف هذا العدد نتطرق إلى موضوع الاختلاف، ونحاول أن نجد صيغة للقاء تجمعنا جميعاً على الحب والاندماج، لنكون سلاحاً فاسداً ينفجر في وجه كل من يحاول أن يصوِّب حقده نحونا، ونضيِّق الخناق على كل من يحاول النشوز من بيننا وتغليب تطرفه أو ضيق أفقه على مصلحة بلده، وهي فرصة أخرى لفتح حوار مع أنفسنا، والتخلص من عقدنا وأمراضنا.

إياد شربجي: رئيس تحرير مجلة شبابلك

  
التالي
« السابق
الأول
التالي »

تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon