عشتار أم الأشياء جميعاً

ما هذا القلق الذي ينتابني منذ أيام... ما هذه الرهبة التي تحاصرني في كل الاتجاهات... هل لأنني اخترقت حرم الألهة في مقالة سابقة؟

 ودخلت مجمعها دون استئذان وتحدثت اليها بلسان البشر وهي ألهة، فأرسلت كل أشباحها لتسحب النوم من عيني.
أم هو قلق الشيخوخة؟
أم قلق من نوع أخر صادفني في آخر محطات القطار.؟
هاهي خيوط الفجر الزرقاء تتسلل عبر نافذتي وانا ازرع الغرفة ذهابا وايابا... أختبيء خلف الستائر وكأن أشباحا.أتت وفودا من الأولمب وبمهمة من كبير الألهة زفس، لتسحب غفوتي نعم لقد أخطأت بحق الألهة... كان علي استئذانها.
ماذا أفعل الأن... اذا لابد من تغيير المكان... عل الارواح الشريرة تهرب خائبة.
ساقتني قدماي الى حديقتي... صمت.سكون.رهبة... أوارق شجرة الجوز الوحيدة تتراقص... على أنغام سيمفونية تقطع صمت صباحات الفجر الاولى كورالها جوقة بلابل تستعد لالتقاط الحبة... يناغمها أصوات ديكة تنبعث من بيوت طينية تغفو على تلة مجاورة. كان بها شبابي، يسرح به الخيال.
اني أنتظر خيوط الشمس علني أغفو... ولكن عبثا... سميّتُ بالألهة... وهمّت عيناي لغفوة. مالي مالي... لا أنام... لا أغفو... من هي؟ التي استلقت على أرجوحتي المحاطة بأكمام الزهور الغافية مع أحلام الطبيعة... من هي التي سرقت وشاحي اللازوردي ليشف ما أبدعت ريشة الخالق من جمال... انها لأ جمل من اصداف البحر المتكسرة تحت صفحة المياه الزرقاء... توسدت زراعها الأيسر المتوسد عليه زراعها الأيمن... رانية الى ذلك الطفل المتلألىء في الأفق الشرقي من كبد السماء ولم أدر من استمد بريقه من الآخر... لم تحدثني الألهة الصغيرة بشيء... عيناها مسمرتان بذاك القمر كأنهما عاشقان يتسامرا ن ليخطا أسطو رة اتحادهما... عندها أدركت سر توحدهما في 28 يوما مصدر الحياة البشرية... وأدركت رحلة الغياب لهذه الألهة وسر عودتها في الربيع هاهي خيوط الشمس الذهبية تتسلل عبر أوراق العرائش لترسم أشكالا على ارجوحتي... فقد غادرت عشتار مكانها... غادرت الى من توحدت به الا وهو ذاك القمر المنير لتخلد قربه كنجمة الصباح تارة (كوكب الزهرة)ففي الصباح هي الحرب والقوة والجبروت... وكنجمة المساء فهي الحب والعشق والغرام والانبات والخصب... عشتار هي ابنة شجرة المر المقدسة والتي ولد منها (مردوخ) أيضا، وايضا هي الهة الشعلة وألهة الجحيم فتزوره سنويا للتصارع أختها (... ) في العالم السفلي لتنقذ الأموات، فتجوب أبوابه السبعة و تخلع عند كل باب شيء من ملابسها وحليها وما ان تصل عارية الى الجحيم الابدي فتغدو عزلاء ضعيفة مجردة من أسلحتها فلا تستطيع انقاذ أحد فتقرر العودة لتكون النبت والزرع والخير والعطاء في فصل الربيع.
هاهي عادت من جديد لتغتسل بمائك يافرات... نزلت صفحة المياه لتستحم فبانت مفاتنها التي ابدعها الخالق، فسرت في جسد(تموز0) قشعريرة، وهامت روحه راقصة فياضة وانقضى تموز مع الخريف ليبعث في أول الربيع.
هذا جزاء كل من نظر الى الى مفاتن الألهة... فحاذر أيها العاشق الوّله واعلم ان الانسان هذا الكائن الغامض منذ ان وجد على هذه الأرض لا زال لغزا محيرا، ما عرف استقرارا الآ زائفا مؤقتا. اقتضته معطيات الواقع وقدرته على التكيف مع الزمان والمكان ومنذ ساعةولادته بدأ ينظر حوله باعثا نظره الى السماء... متأملا متسائلا لماذ؟ ومن واين وكيف؟والى أين هو ذاهب؟.عرف
الرزيلة والفضيلة.الشر والخير.الظلام والنور.أسعده الفرح وتوجسه الخوف، وزاد بؤسه هذا الوافد الغريب كنهاية محتومة... امتلأ رعبا من ظواهر الطبيعة القاسية المحيطة به... نظر الى الشمس فعبدها والى القمر فقدسه. األّه النهر في فيضانه وقدم له القرابين تقربا وتقديسا وتغلغل لداخله احساس راق وايمان وتقديس فكان ذلك أرقى ما توصل اليه.
ومنذ أقدم الحضارات التي عرفتها البشرية على ضفاف دجلة والفرات ومنذ أن خطت أول كتابةمسمارية على رقم طينية، وبدأ تأليهه للأشياء من حوله، ولم يكن هذا التقديس اعتباطيا بل كان له دلالاته وارتباطاته بشكل أو بأخر وبمنجز طبيعي. فعبد المرأة في القمر متمثلة بعشتار وليس القمر كما ورد في الأسطورة سوى تلك الفتاة الجميلة التي دفنت في الأرض حتى رأسها وفديت بخنزير وطلبت من أهلها ان يراقبوها في المساء على شكل جرم سماوي منير ومن ناحية أخرى فان حياة المرأة فان حياة المرأة الفيزلوجية والسيكولوجية ذات طبيعة قمرية وايقاع قمري، فهي مرتبطة بدورة القمر الشهرية الذي يبدأ هلالا أول الشهر ليتلاشى أخره بعد أن يمر في فترة نصف الشهر عندما يبلغ البدر تمامه وعشتار تتجدد يوم تمام البدر وتستريح من كل أعمالها وهنا يكمن سر التوالد والانجاب.
ولعل اقتران المرأة بالقمر له مايبرره، فكلاهما ينتميان الى السالب والرجل والشمس ينتميان الى المبدأ الموجب ومن أقترانهما ومن تفاعل هاتين القوتين المتكافئتين تستمر حركة العالم مكوناته التي تتداخل فيها القوتان فتتعادلان أحيانا ويغلب أحيانا أخرى دون أن تلغي الواحدة نظيرتها , للقمر نور متبدل متغير. يشرق في الليل لينير ليالينا وشروقه لا يتواقت ابتداءا من الليل كتواقت شروق الشمس مع ابتداء النهار بل يبدو شروقه تابع لمزاجه الخاص فتارة يظهر من الشرق وأخرى من الغرب أو لا يظهر أبدا تاركا سماءنا في ظلام. يللغرابة انه الأنثى المتقلبة المزاج... الغامضة الأطوار التي تستلهم في سلوكها خصائصها الطبيعية لا قوانين التنظيمات الاجتماعية المحكمة. أما الذكر فهو الشمس واضع القوانين... يصوغ الغايات والأهداف المتعالية على نظام الطبيعة ولن يخلص من نور المرأة الى الأبد.
ان المرأة عشتار هي حكمة الطبيعة تنظر دوما الى الأرض... تنشد السعادة التي تحققها حركة الجسد في ايقاعه الطبيعي لا حركة الذهن في ايقاعه المجرد المتعالي.
فأين أنت ياعشتار العظيمة... ياقدس الأقداس... ألم تنتهي اغتسالا في ماء الفرات فتعالي ايتها الأم الكبرى... ألست أنت أم الأشياء جميعا... سيدة العناصر... حاكمة من في السماء والأرض وما في الجحيم.
ألم تقولي: انك مركز القوة الربانية وانك الحقيقة الكامنة وراء الألهة والألهات عندك يجتمعون في شكل واحد وهيئة واحدة... بيدك تقدرين أجرام السماء وريح البحر وصمت الجحيم.
الست أنت من قال: انا ما كان وما هو كائن وما سيكون وما من انسان بقادر على رفع برقعك... فسامحيني ياعشتار يا قدس الأقداس فقد كشفت بعض سترك ,فتعالي ياأغصان الأرز البازخة أعيدي تمو ز الزوج الحبيب الرائع فليس له حياة بدونك... ).

20/7/2005


السقيلبية دوت كوم

التالي
« السابق
الأول
التالي »

تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon