لا يختلف اثنان حول أهمية الطفولة, وأهمية الدور الذي ستلعبه لاحقاً في تشكيل وتكوين شخصية شباب الغد ورجال المستقبل, وهذه المرحلة العمرية المهمة تحتاج إلى عناية خاصة واهتمام بالغ؛ وذلك من أجل الإنتقال بالطفل من هذه المرحلة إلى مراحل الحياة الأخرى سليماً معافى (نفسياً وجسدياً). من هنا نجد أنه من الأهمية بمكان أن نعرّف الطفولة ونحدد الفترة العمرية التي ينطبق عليها هذا التصنيف, فهي مرحلة تكاد تتشابك مع ما يليها لدرجة عدم القدرة أحياناً على الفصل بين نهاية مرحلة وبداية مرحلة أخرى في بعض المجتمعات, وخاصةً مع مرحلة المراهقة التي تليها مباشرةً. الطفولة هي الفترة العمرية التي تبدأ من لحظة الولادة وتمتد حتى يصبح هذا المخلوق بالغاً ناضجاً, وتعد هذه الفترة أطول فترة يحتاج فيها الإنسان إلى عائل يكفله ويهتم به. ووفقاً لهذا التعريف تكون مرحلة الطفولة عند الإنسان أطول منها عند الكائنات الحية الأخرى, فهي تمتد من لحظة الولادة حتى الثامنة عشر من العمر. وعادة ماتكون فترة الطفولة في المجتمعات المتحضرة أطول منها في المجتمعات المتخلِّفة ومجتمعات البداوة والفطرة, ولقد قسّم العلماء عمر الإنسان إلى مرحلتين.: المرحلة الأولى: مرحلة الطفولة وتمتد من لحظة الولادة حتى سن الثامنة عشر وأحياناً إلى مرحلة العشرين. المرحلة الثانية: مرحلة الرجولة أو الأنوثة وتمتد من سن الثامنة عشر حتى نهاية العمر. وهناك مرحلة يختلف حولها العلماء وهي مرحلة المراهقة, إذ أن بعض الخبراء يجعلون القسم الأول من المراهقة يذوب مع مرحلة الطفولة, والقسم الثاني مع المرحلة الثانية من العمر. كما يقسم العلماء مرحلة الطفولة إلى ثلاثة مراحل هي: 1- فترةالطفولة المبكرة ,وتمتد من لحظة الولادة حتى السادسة. 2- فترة الطفولة الوسطى ,وتمتد من سن السادسة حتى الثانية عشرة. 3- فترة الطفولة المتأخرة, وتمتد من سن الثانية عشرة وحتى الثامنة عشر أو العشرين. وكل فترة من هذه الفترات تحتاج إلى عناية خاصة ولكل منها ما يميّزها عن غيرها, ويجب أن تتوافر لكل مرحلة متطلباتها كي ينتقل الطفل من هذه الفترة إلى التي تليها بشكلٍ سليم . مكانة الطفولة عند الأمم تُعتبرُ الطفولةُ عند كلِّ الشعوبِ -قديمها وحديثها- الوجهَ المشرق للحياةِ والمرحلة المفعمة بالأملِ, كما أنها تُعدُ القلبَ الذي سيبقى نابضاً دائماً بالحياة, فالطفولةُ هي تلك الروحُ الشفافةُ المتوثبةُ اليقظة التي تملأُ أرجاءَ المكانِ والكونِ بالنشاطِ والحيويةِ والحركةِ؛ لهذا كلُّه نرى أنَّ كُلَّ شعوبِ الأرضِ - بشتى ثقافاتها ومعتقداتها وسياساتها, على اختلافِ حضاراتها, قد اهتمتْ بالأطفالِ وأولتهم رعايةً خاصةً, وتأتي درجةُ هذا الاهتمامِ والرعايةِ حسب َ درجة وعي هذا الشعبِ ومستوى رُقيّه وتقدمه. لذلك كان على كُلِّ الدولِ أنْ تجعل مِنَ الأطفالِ والطفولةِ اهتمامها الأولِ, ولاتقبل بأي شكلٍ من الأشكالِ أنْ تجعلَ مِنها اهتماماً يأتي في الدرجة الثانية؛ لأنَّ هذا الأمرَ –بالتأكيد- سيؤدي إلى تداعياتٍ خطيرةٍ ستظهرُ نتائِجُها فيما بعد, فالدولُ التي تجعلُ منَ الطفولةِ اهتماماً ثانوياً سَتدفَعُ ثمناً باهظاً لما تَفْعَلُ, وأولُ ما ستواجهه هذه الدولُ وهذهِ الشعوبُ هو عدم قدرتها على مواكبةِ العصرِ ومتابعة تطوراته, وبالتالي ستصبحُ هذه الدولُ والمجتمعات مع مرورِ الزمنِ خارجَ التاريخِ. فإذا ما أراد أي مجتمع أنْ يجِد َلنفسه مكاناً تحت شمسِ الحياةِ الحُرَّةِ, فلا بُدُّ له أنْ يضعَ الطفولةَ في المقامِ الأولِ على سلمِ اهتماماته كي يتحقق له مستقبلٌ أنسانيٌّ حقيقيٌّ مُشرقٌ, إذ أن مقدار الاهتمامِ بالطفولةِ أصبحَ معيارَ الحضارةِ والتقدمِ والوعي بين الشعوبِ والدولِ على وجهِ الأرضِ. فقد راحتِ الدولُ والمجتمعات تُنْفِقُ أموالاً طائلةً وجهوداً عظيمةً في مجالِ الطفولةِ, وذلك كُلُّه في سبيلِ إنجاز مهمتها تجاهَ رعايةِ الأطفالِ والعنايةِ بهم, وهذا الاهتمامُ قد بدأَ منُذُ القِدَمِ وأخذَ بالتطورِ والتقدمِ شيئاً فشيئاً, وأضحى أكثرَ اتساعاً في العصرِ الحديثِ, وخاصةً بعد الثورة التقنيّة وغزارةِ المعلوماتِ وتنوعِ منابعِ المعرفةِ وتعدّدِ مناهلِها, ففي الاتحاد السوفياتي سابقاً وقف أحدُ خُبَراءِ التربيةِ والتعليمِ الكبارُ أمامَ أعضاءِ اللجنةِ المركزيةِ للحزبِِ الشيوعي وصرخَ قائلاً: "لقد ألغتْ بلادُنا الألقابَ والإمتيازاتِ, ولمْ يَعُدْ لدينا أباطرةٌ وقياصرةٌ, لكنَّا نؤكدُ دائماً أنَّ في بلادِنا قيصراً واحداً سيظلُ يتمتعُ بكلِّ الامتيازِ والتقديرِ ذلك هو الطفلُ. "وفي إنكلترا بلدِ احترامِ التقاليدِ والالتزام ِبالقوانين يَبذلُ المجتمعُ أقصى الجهودِ منْ أجلِ توفيرِ أسبابِ السعادةِ والرفاهيةِ للأطفالِ, لدرجة أنَّ أحدَ العلماءِ احتج على ارتفاع أسعارِ الشكولاتة، وثارَ وحملَ على الحكومَةِ قائلاً: "قد تضطرُنَا الظروفُ لتوزيعِ الخبزِ بالبطاقاتِ, ونحنُ نَقْبلُ بذلكَ عنْ طيبِ خاطرٍ, وقد تَسَنُّ الحكومةُ بعضَ القوانين التي تَحُدُّ من حريةِ الكبارِ, ونحن نقبلُ ذلك راضين, لكنَّنا نَثورُ ونرفضُ أيَّ قيدٍ يَمسُ سعادةَ الأطفالِ ورفاهيتهم. "وفي أمريكا يُعْقَدُ مؤتمرٌ سنويٌّ يضُمُ أعلى المستوياتِ الفكريةِ والعلميةِ والفنيةِ, وهومؤتمرُ /المعنيين بالطفولة/ ولقد كان الرئيسُ الأمريكيُّ الأسبقُ (ريتشارد نيكسون) يَحْرِصُ على المشاركةِ في هذا المؤتمرِ, وأنْ يكون عُضواً فاعلاً فيه, ولهُ حديثٌ في المؤتمرِ الحادي والعشرين يقولُ فيهَ: "يَجِبُ أنْ تكون الطفولةُ هي حجرُ الأساسِ في بناءِ مُجْتمعِنَا, ويجِبُ أن تتوافرَ لكلِّ طفلٍ عندنا عزتُهُ وكرامتُهُ, وأنْ يتأكدَ احترامهُ لنفسهِ ولذاتهِ, وفي إرثنا العربي الإسلامي ثمة مواقف سابقة على كل ما ذكرنا:
حقوق الطفل في الإسلام: حق الحياة: كانت بعض الأنظمة تعطي للآباء الحق في التصرف في أولادهم، والإسلام قد نزع هذا الحق فلا يستطيع الإنسان أن يقتل ابنه، أو ابنته ولا حتى الجنين، فالجنين له حق الحياة في الإسلام، لمَّا جاءت المرأة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-وقد زنت وقالت أنا حُبْلى من الزنا، وأقم عليَّ حدَّ الله، قال لها "اذهبي حتى تلدي، يعني إن كان لنا سبيل عليكِ فليس لنا سبيل على ما في بطنك، وبعد ذلك لما ولدت قال اذهبي حتى تفطميه", في إشارة إلى حاجة الوليد للبن أمه, انطلاقاً من قوله تعالى (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) لذلك قال الفقهاء: لو أن امرأة كانت حاملاً، وارتكبت جريمة قتل عمد.. عدواناً، ووجب عليها القصاص، لا يجوز أن ينفذ فيها القصاص حتى تلد وترضع ثم ينفذ فيها. من أجل هذا الحق حَرَّمَ الإسلام الوأد ومن حقوق الطفل في الإسلام- حق الرضاعة- حق النفقة- حق الرعاية- حق الملاعبة. حتى أنه يروى أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي وأطال السجود حتى ظن الصحابة الظنون، ثم بعد أن انتهى من صلاته، سألوه ما الذي حدث يا رسول الله؟ قال: لهم إن ابني قد ارتحلني فكرهتُ أن أُعجلّه. "نتبين من ذلك أنّ كل شعوبِ الأرضِ أدركتْ أينَ يكمُنُ مِفْتاحَ المستقبلِ المشرقِ, فراحتْ تَعْمَلُ جاهدةً كي تتمكََنُ من إمساكِهِ جيداً, فبعضُهَا أتْقَنَ فنَّ القبضِ على المفاتيحِ المناسبةِ بشكلٍ صحيحٍ, فأنتجَ جيلاً واعياً قادراً على إكمالِ المسيرةِ التي بدأها أسلافهُ, غيرَ أنَّ بعضَها مازال يتخبطُ, فيضعُ يدهُ على الأماكنِ الخاطئةِ, وبالتالي يفقِدُ فرصةَ فتحِ بابِ المستقبلِ بعدَ أنْ يكون قدْ أغلقَ على نفسهِ أبوابِ الحاضرِ بل والماضي في أغلبِ الأحيانِ. (ثمة من يرى في شخصية الإنسان الراشد نتاجاً جاهزا للظروف الحياتية المتعددة والمتبدلة أبداً, ولكن ما يبقى غامضاً هو العوامل والشروط الداخلية والخارجية التي أثرت في نمو الشخصية وفي كل سمة من سماتها. وهكذا يصبح بامكان علم النفس التوصل إلى أن القدرة على العمل بتركيز الإنتباه, أو القدرة على تذكر مادة ما من خلال إدراكها, أو القدرة على التفكير لاتتوقف على خصائص الإنسان الفطرية, بقدر ماتتوقف على كيف يتعلم, وعلى مدى إنتظام حياته ودراسته ولعبه وعمله في مختلف مراحل طفولته).
تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon