لكل فعاليّة إنسانيّة المرجع المغذي لها، الفعاليات الإيجابية منها والسلبيّة على حدّ سواء. هذه البدهيّة تنطبق على كلّ أفراد المجتمع الإنسانيّ الكبار منهم والصغار، إلاّ أن تأثيرها في حياة الصغار أكثر، من حيث أن محفزات اندفاعهم لا تحظى بالمحاكمة العقليّة من جهة، وتأثرهم بالبيئة والمجتمع أشدّ وأقوى، فكم من طفل شجعه معلموه بما لا يتعدّى الكلمات فأبدع دراسيّا، وكم من طفل قادته الكلمات إلى سوء سلوك لا تُحْمَد عقباه أيضاً، أقول الكلمات من حيث أن اللغة أداة تفكير وتواصل، أي من صميم، ما يحدد كيان إنسانية الإنسان ـ لذا لا يمكن التعرف على الإنسان خارج الحقل اللغوي، من هنا علينا ألا نقلل من أثر المكافآت التي تأخذ شكل الثناء في حياة الأطفال، والعقوبات كذلك. فالأطفال إضافة لكونهم ورثة المستقبل ومصدر تجديد الحياة واستمرارها، هم أيضاً منتج اجتماعي أو حصيلة مداخلات مادية واجتماعية ونفسية ودينية إلى غير ذلك من العوامل التي تصاغ شخصية الطفل انطلاقاً منها، إنهم نتاج يحمل طوابع وعناوين وسمات المنتج وإن اختلفوا فإنهم لا يبتعدون كثيراً عن ظروف إنتاجهم. ولقد حظي الأطفال منذ منتصف القرن المنصرم بعناية قانونية تضمن لهم حقوقهم في كافة مجالات الحياة وعلى مستوى العالم ابتداءً من اتفاقية * هيئة الأمم المتحدة *لحقوق الطفل انتهاءً بالتعليم الإلزامي، والأنظمة والقوانين التي تمنع عمالة الأطفال منعاً باتاً، إلاّ أنّ تلك الاتفاقية وكل هذه الأنظمة والقوانين لاتساوي شيئاً ما لم تتحول حقوق الطفل إلى ثقافة عامة يمارسها المجتمع في سلوكه اليومي. فالأطفال في حقيقة الأمر يواجهون مشاكل مترابطة، وفي كل عام يقدم الاستعراض الإحصائي أرقاماً مرعبة عن الأطفال الذين يتسربون من المدارس والذين يعملون والذين يموتون والذين ينتهكون والذين يعيشون تحت خط الفقر!! وقد كان ضمن خطة عملنا في مركز البحوث والدراسات المستقبلية أن نقوم بشبه إحصائية ميدانية للأطفال المتسربين من المدارس، ورصد مجالات عملهم أقول شبه إحصائية لتعذر الوصول إلى كافة الأطفال المتسربين وخاصة الإناث منهم، فتبين لنا خلال جولـة واحـدة في أسواق مدينة الرقة “وليس المحافظة” وجود “87 طفلاً” وكلهم من الذكور “9” منهم لم يلتحقوا بالمدرسة نهائياً، و “13 طفلاً” تركوا المدرسة قبل الصف الخامس، “8” أطفال تركوا المدرسة بعد أن رسبوا في الصف السادس، وكانوا قد رسبوا في الصفوف السابقة، فتراكمت سنوات رسوبهم وأصبحوا أكبر سناً من زملائهم الذين لحقوا بهم إلى الصف السادس فتركوا المدرسة، “27” طفلاً نجحوا من الصف السادس، وانتظموا في الدوام المدرسي في الصف السابع وتركوا قبل نهاية الفصل الأول، “30” طفلاً تركوا المدرسة بين الصف الثامن والتاسع وغالبيتهم لا يعرفون الكتابة والقراءة بشكل جيد !! هذا بالنسبة لمن منحنا فرصة التحدث إليه، أما الذين رفضوا والذين لم نستطع الوصول إليهم وخاصة الإناث فإن عددهم يفوق ذلك بكثير !! لذلك كان استطلاعنا شبه استطلاع في مدينة لا يتجاوز عدد سكانها الـ 270 ألف نسمة، أما ريف محافظـة الرقـة فينطبـق عليـه القـول “حدث ولا حرج”.
تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon