تشكل رعاية الطفولة وحمايتها الاهتمام المحوري والجوهري في حياة الأسرة والمجتمع، فالأطفال بنية المجتمع الأساسية ووجهه المشرق بالأمل وقلبه النابض البكر. وقد أدركت الأمم المتحضرة في عصرنا الحديث ما للطفولة من أثر وخطر، فأولت كلُّ أمةس منتهى رعايتها وعنايتها، وخصصت لذلك أعظم نسبة من ميزانياتها، ووضعت لهم المناهج العلمية والتربوية والصحية والترفيهية، وبذلت في سبيلهم ما بذلت، حتى أصبح مقياس حضارة الشعوب ورقيها مرهون بمدى اهتمامها بالأطفال، ولا عجب ؛ فالأطفال ورثة المستقبل. ولكل مجتمعٍ أسلوبه في تربية الأطفال، وهذا الأسلوب هو محصلة تجارب ذلك المجتمع التي عاشها عبر تعاقب الأجيال، والثقافة تعتمد على كشف الأسلوب المناسب والإبداع فيه ؛ انطلاقاً من كون الثقافة هي غذاء وجداني وفكري محبب، يسعى إليه الإنسان سعياً ولا يتلقاه فرضاً أو تلقيناً، ولا يساق إليه قسراً. والثقافة ـ سواء للطفل أو للراشد ـ هي بنت البيئة، ولها مذاقها الخاص في كل بيئة من البيئات، فإن هي تجردت من بيئتها فقدت طعمها ورائحتها وخصوصيتها. وقد تعددت وسائل ثقافة الإنسان ـ طفلاً كان أم راشداً ـ إلا أن الكلمة ودورها في حياة الطفل والراشد ؛ كانت وبقيت في موقع الصدارة، فهي أول وسيط ثقافي في حياة الإنسان، وستظل كذلك إلى أبد الدهر. ففي ثقافتنا الإسلامية نجدها العلم الأول: "وعلم آدم الأسماء كلها ". وغفران الخطيئة الأولى "فتلقى آدم من ربه كلماتٍ فتاب عليه ". وعليه ينبغي أن تكون زاد الإنسان منذ وجوده الأول، أي منذ طفولته الأولى، وهي كذلك بالفعل حتى لو لم نشأ لها أن تكون كذلك، فالطفل يتلقى ماحوله بفضوله أو بغريزته أو بحب استطلاع فطري لديه ؛ سواء وعى الراشد أنه معه في حالة مثاقفة أم لم يعِ. ولقد تعددت وسائل تربية الأطفال وتثقيفهم، ابتداءً من البيت ؛ وانتهاء بجلوسم أمام شاشات التلفزيون والأنترنت إن وجد، مروراً بدور المدرسة والشارع والأقران، لدرجةٍ أصبح معها من العسير على أي أسرة أن تجعل من نفسها المربي الوحيد والمعلم الفرد لأطفالها. من هنا كان علينا أن نفهم ونتفهم دور كلٍّ من تلك الوسائل في حياة أطفالنا، فما هو دورنا كبيئة خاصة أولاً. من المتعارف عليه أن أقل تأثير على الطفل هو تأثير التربية التلقينية المحمولة على الوصايا غير المقترنة بسلوكٍ يؤكد رسوخها في نفس ومفهوم الموصي بها، كمن يكثر من توصية أبنائه بالصدق، وإن طلبه أحد على الهاتف أو على الباب يوصيهم أن يقولوا بأنه غير موجود، هذا يؤكد لهم أن أباهم غير مبرئٍ من الكذب أولاً، وأن أهمية الصدق ليست تلك التي يكثر من الخوض فيها. هذا يؤكد أن ثقافة الإنسان ـ أي إنسان كان ـ هي وليدة اتصاله بالبيئة المحيطة به وبالمجتمع، بما في ذلك الأطفال. وثقافة الطفل متعلقة بهذا الاتصال ؛ لا بل هي وليدة هذا الاتصال، الذي بدونه يتحول الإنسان إلى كائن بيولوجي ليس إلاّ، وجميع المؤثرات التي يتعرض لها الطفل جراء هذا الإتصال ؛ بإمكاننا أن نطلق عليها إسم ثقافة، وهذه المؤثرات يتعرض لها الأطفال بعد الولادة مباشرة بأشكال مختلفة، وهم يتفاعلون معها بدرجات مختلفةٍ أيضاً. ويمكن القول: إن الطفل الصغير يستغرق كلياً ويعتاد على ردود أفعاله تجاه الأشياء، ولذلك لا تتسنى له القدرة على التفكير في الأشياء في حال عدم وجودها. وحواس الطفل هي نافذته التي تطل منها المؤثرات عليه، سواءً كانت سمعية أوبصرية أو ذوقية أو شمية أو لمسية ؛ وإدراكه لهذه المؤثرات مرتبط بنموه، فهو وفقاً لخبرته معها، ولموقفه منها أيضاً، لذلك كان الإحساس الواحد لدى الأطفال المختلفين يؤوّل في العادة إلى إدراكاتٍ متباينة، فلكل طفل عالمه الإدراكي الخاص به. وتتباين مدركات الطفل الواحد من موقف إلى آخر ؛ لأن الإدراك هو نشاطٌ نفسيٌّ له علاقة وُثقى بالشخص وحالته النفسية وثقافته، وله علاقة أيضاً بموضوع الإدراك نفسه. فالإدراك خلاصة تجربة الإحساس وثمرته، إلا أن هذه الثمرة ـ التي هي الإدراك ـ لا تلبث أن تأخذ شكلها إلى أصحابها، مستفيدةً من تجارب الإحساس التي تأسست عليها ومن مقومات كينونتها الذاتية. وعلى هذا فإن الأطفال يدركون موضوع الإحساس كما يرونه هم، أي أن إدراكهم لموضوعٍ ما ؛ قابل للحذف وللزيادة أيضاً، فهم ليسوا حياديين تجاه المواضيع التي يدركونها.. ثمة شيء شخصي يدخل في تركيب مواقفهم من المواضيع التي يدركونها. من هنا جاءت خطورة التلقين الذي يعتمد على إلغاء محاكمة الطفل للموضوع ؛ وبالتالي إلغاء موقفه منه، وإلغاء الموقف هو إلغاء لشخصية المتلقي، سواء كان هذا المتلقي طفلاً أو راشداً. لذلك ترى كلّ المواضيع التي يتلقاها الأطفال تلقيناً دون محاكمةٍ لموضوعيتها، ودون فهم لأبعادها، ترى موقفهم منها يتبدل مع أول فرصةٍ يتاح لهم فيها محاكمة تلك المواضيع، وتمييز المدركات وفهمها هو الأساس الذي تقوم عليه ثقافة الطفل. وبما أن المثيرات البيئية والاجتماعية التي حول الطفل من الكثرة ـ بحيثتعجز الحواس عن استقبالها في وقت واحد ـ ترى أن عامل الاهتمام هو الذي يحدد آلية الانتقاء ويوجهها، لذلك كان على الأهل والمؤسسات الرسمية ـ وغير الرسمية ـ التي تهتم بالأطفال وتقوم على تثقيفهم ؛ أن تدرك دوافع الاختيار الطفلي وتؤسس عليه، حينئذٍ يأتي التأسيس ملائماً لبنية الطفل السيكولوجية، ومتطابقاً مع اهتماماته الشخصية، فيترسخ في ذاكرة الطفل، ويصبح جزءاً من ثقافته الشخصية، شريطة أن يكون التأسيس في صيغةٍ تثير انتباه الطفل، وتحمل من العناصر ما يجعلها مفهومة وجذابة وملبية لحاجاته الشخصية.
تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon