ثقافة الأطفال وجه هام من أوجه العناية بهم، ذلك أن غزو الأفكار لا يستثني الأطفال، بل لعله يتوجه أولاً إلى غضارة عودهم. إن حضانة الطفل في بدايات نشأته تسهم إسهاماً فعالاً في عملية التنمية البشرية لأن رأس مال الإنسان في حضارة ما يساوي ثلاث مرات ونصف رأس المال المادي. والتربية الثقافية التي ترعى الطفل هي التي توجه ثقافته في المستقبل، وأي حديث عن ثقافة الأطفال يجب أن يتضمن حديثاً عن عملية تثاقف بوصف الطفل جانباً فعالاً في عملية التثقيف. والتربية الجمالية والفنية تفتح مدارك الأطفال وتنشط وتثير ملكاتهم الإبداعية، وتسهم في رهافة الحس لديهم وتعينهم على اكتشاف العالم المحيط بهم، والتربية الجمالية جزء لا يتجزأ من عملية وتثقيف وتربية الأطفال. كما أنها تعد وسيلة ترشيد في سلوك الهدف والغاية وعلاجاً تربويّاً لمشكلات النطق والاضطرابات السلوكية والأنانية والخنوع والعصاب والذهان وسواها من الأمراض النفسية، وهي ذات أثر عظيم في نمو الأطفال، ويجب أن تتكامل وسائط ثقافة الطفل ولا تتنافر، وأن تساهم معاً في إطار رؤية ثقافية محددة المعالم تضع في اعتبارها آفاق قادمة ولا تقتصر على واقع الأطفال الذين يعتبرون هدفاً ثقافياً وإعلامياً سائغاً وهيناً، ونذكر - في هذا المجال - ما تقدمه مجلات وصحف الغرب مثل /سوبرمان - الوطواط / من قيم تدميرية وعنيفة لدى الأطفال؛ حيث يحصل البطل على سيارة حالما تتحطم سيارته أو طائرته، أما القيم التي قدمتها مجلات عربية لم تتأثر الخط الغربي، فهي تبني في الطفل الإحساس بالجمال والعالم كما يعبّر /سانتيانا/. ولا تقدم أبطالها في صور خارقة رغم أننا لا ننكر جاذبية التربية الغربية ومن يحذو حذوها في هذا المضمار الشائك، وتناط بالأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية الأخرى آمال عظمى ومسؤوليات جسام. وكتاب الطفل الذي تعدّه المؤسسات المختصة بهذا الجانب؛ له أهمية جلّى إلى جانب مجلات الأطفال والأشرطة التلفزيونية والسينمائية التي تعد خاصة للأطفال، وأدب الأطفال حيث تقدم قيم /الخير - الشر - العدالة - الظلم...../ وحضارات الأمم الأخرى ومفاهيم وقيم تربوية عليا؛ تلعب دوراً هاماً في تنمية الطفولة عقلياً واجتماعياً وأدبياً وحضارياً؛ لأنها أداة توجيه وإعلام وإمتاع وإثارة، وتعدّ برامج التلفاز أهم وسيلة إعلامية؛ وأعظمها تأثيراً على الطفل في جميع مراحل وأطوار نموه وتشكله، إنه أكثر هذه الوسائط جاذبية للطفل حيث استخدم الحركة واللون والصوت والصورة في جذب الطفل إلى عملية تلقينية لا تثقيفية، وهي على الأغلب لا تسعى إلى تحقيق تكيف مع بيئة الطفل، بل تغريب وإبهام، وإذا ما رجعنا إلى تقسيم /سيغموند فرويد/ النفس الإنسانية إلى /الهو/ /id/ و/الأنا/ /ego/ و/الأنا الأعلى/ /Super-ego/ فإننا نجد أن الطفل يشبه في نزعاته الإنسان البدائي الذي يتضخم لديه /الهو/ إلى جانب تقزيم /الأنا الأعلى/ لولا رقابة الأسرة - الأم والأب خاصة - والطفل في سن باكر لا يدرك تصور النفس /Psyche/ أو الروح لذا فإنه لا يميز في أحلامه بين الشخص الذي يتراءى له في المنام وبين ذاته. وإلى جانب التلفاز يقف مسرح الطفل جاذبا ًقوياً وشديد الإغراء للأطفال، حيث يسهم في تنمية عادة الانتباه لدى الطفل، ويفرغ شحناته الانفعالية بما يحتويه من رقص وتمثيل وغناء وسينما الأطفال؛ حيث تجوب عالم الخيال وتثوب إلى عالم الواقع ودنيا المادة، وتساعد الطفل على التكيف في المواقف الاجتماعية وترتقي بذوقه الفني، وحتى بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر لم يكن الذكاء يفسر بالعوامل الاجتماعية والتربوية التي يمكنها أن تلعب دوراً جوهرياً ومركزياً في حياة الإنسان؛ حيث بدأت آنذاك الرؤية التربوية والاجتماعية تنضج للعيان. لقد بدأ الاهتمام يتزايد ويتنامى بالجوانب الاجتماعية والنفسية للتربية - والثقافة عامة - بأخذ طابعه العلمي مع طفرة التطورات الاجتماعية التي شهدتها المجتمعات الإنسانية في بداية الثورة الصناعية في أوروبا، لاسيما في الفترة الزمنية الممتدة مابين عامي 1750 - 1850 إذ بدأت العلوم الاجتماعية والتربوية تشهد ولادتها في مخاض الاستجابة لهذه التحولات التاريخية، وأخذت التربية - تحت تأثير هذه التحولات الجديدة - تستقل من سلطان التأملات الفلسفية، وتحت ضغط الثورة الصناعية؛ وانتقال المجتمعات الغربية من الإطار الإقطاعي إلى الصيغ الرأسمالية للإنتاج؛ بدأت المدرسة والمؤسسات التربوية والوسائط الثقافية تلعب دوراً اجتماعياً واقتصادياً يتزايد باطراد، لاسيما في مجالات الحياة الثقافية وبدأت تلامس أعصاب الحياة الاجتماعية. يقول /إميل دوركهايم/: " التربية هي قبل كل شيء الوسيلة التي يحدد المجتمع عن طريقها - وباستمرار - شروط حياته الخاصة " لذلك ندرك مدى قيمة وأهمية التربية والثقافة من أجل بناء طفل سليم عقلياً ونفسياً واجتماعياً. فالتربية تسعى إلى تعزيز التجانس بين أفراد المجتمع وهي من أجل ذلك تغرس في نفوس الأطفال عناصر الوحدة والانسجام الضروري للحياة الاجتماعية، وفي عام 1899 أطلق /جون ديوي/ /1952-1859 Dewey/ كتابه الذائع /المجتمع والمدرسة The school and Society/ وهو عبارة عن سلسلة المحاضرات التي ألقاها /ديوي/ على آباء التلاميذ في المدرسة الابتدائية في جامعة شيكاغو والتي ينظر من خلالها إلى المدرسة بوصفها مؤسسة اجتماعية، ويبين الوشائج المتينة بين المدرسة والمجتمع، وعلى هدى خطى /إميل دوركهايم/ أولى /تالكوت بارسنز Talcott parsons/ أهمية اكبر لمسألة التوازن، فالمجتمع كما يراه /بارسنز/ أشبه ببنى حية مركبة من مجموعات بنيوية أربع هي الأدوات التي تحدد نشاطات الأفراد: /آباء،معلمون.. إلخ/ ومن ثم الجماعات والمؤسسات مثل العائلة والمدرسة والمعايير وأخيراً القيم، وهذه الوظائف الأربعة تسمح بتحقيق ديمومة التوازن الاجتماعي، وفي مقال له بعنوان /الصف المدرسي كنظام اجتماعي The school class as asocial system/ عام 1959 يبين لنا /بارسونز/ كيف يمكن للمدرسة أن تصبح وكالة أساسية للتنشئة الاجتماعية والاصطفاء الاجتماعي، وذلك في مجتمع تقاني مثل الولايات المتحدة الأمريكية فالمدرسة كما يعتقد /بارسنز/ تغرس في الطلاب والتلاميذ قيم المجتمع والكفاءات والمواقف التي ترمز إلى الشروط الأولية والجوهرية؛ التي تسمح لهؤلاء التلاميذ والطلاب بإنجاز أدوارهم المستقبلية، وهي في الوقت نفسه تعمل على توزيع القوى البشرية في مجال بنية الأدوار الاجتماعية، وبالتالي فإن عملية التنشئة الاجتماعية وعملية الاصطفاء الاجتماعي تبدآن من المرحلة الابتدائية. إذاً فإن التربية والثقافة قضية اجتماعية، وهي في الوقت الذي تستمد فيه وجودها من نسغ الحياة الاجتماعية؛ فإنها تنتج وتعيد إنتاج هذه الحياة الاجتماعية، والتربية والثقافة تُعنى أولاً بإعداد التلاميذ والأطفال لإيجاد حلول للمشكلات التي تواجههم، ويعرِّف /غاستون ميلاريه Gaston Miliaret/ الديمقراطية التربوية بأنها: /إمكانية متاحة أمام الأطفال كافة؛ من أجل الحصول على تعليم متكافئ يتكيف مع استعداداتهم العقلية الخاصة، وذلك بشكل مستقل عن تأثير الشروط الاجتماعية الخارجية؛ كالوضع الاقتصادي والاجتماعي لعائلاتهم/. وتمارس مجموعة من الأنظمة الاجتماعية دوراً كبيراً على مستوى تحصين الأطفال مثل /حجم الأسرة ودرجة تماسكها ومستوى لغة الأسرة وطابعها ومكان السكن.. الخ/ والسؤال الذي نطرحه دوماً هو: هل تستطيع المدرسة أن تحقق الديمقراطية التربوية والثقافية؟ وغاية التربية والثقافة حسب ما يرى /دوركهايم/: /إن الإنسان الذي تريد التربية أن تحققه فينا ليس هو الإنسان على غرار ما أودعته الطبيعة، بل الإنسان على غرار ما يريده المجتمع/ إن جماعة مثل جماعات /الأرابشarapech/ تنظر إلى الطفل على أنه خير في ذاته، وهو - إذ ذاك - يجب أن يحظى بالرعاية والحب والحنان والحرية، وهذا من شأنه أن يزيل كافة أشكال الصراعات التي يعيشها الطفل، وهذا يعني أن الاضطرابات النفسانية ليست حالة ملازمة لمرحلة المراهقة؛ وإنما نتاج لأساليب النشأة الاجتماعية. ويذهب عالم النفس الأمريكي /واتسونWatson/ في مقالته الشهيرة: /أعطني اثني عشر طفلاً أصحاء الأجسام وأنا سأصنع منهم ما شئت الطبيب والمهندس والمحامي واللص/. إلى تأثير الوسط في إبراز ثقافة الأطفال؛ وفي هذا الصدد يذهب /سبيتزSpitz/ إلى مضاعفات النقص العاطفي في السنوات الأولى من الحياة عند الأطفال، والتي تؤدي إلى اضطرابات مرضية كبيرة في مستوى نموهم العضوي والبيولوجي والنفساني والسايكلوجي، حيث يبين /سبيتز/ أن كثيراً من حالات التخلف العقلي ونقص الذكاء عند الأطفال الفقراء؛ تعود إلى نمط الشروط الغذائية والتربوية التي تحيط بهم، ونستخلص من هذه الدراسات النتائج التالية: - يرتفع معدل الذكاء كلما ارتفع الدخل المادي للأسرة. - يرتفع مستوى الذكاء كلما انخفض عدد الأطفال في الأسرة. - يرتفع مستوى ذكاء الطفل كلما ارتفع المستوى الثقافي للأم والأب أو أبناء الأسرة. إن تباين اللغة بين الأطفال مرده إلى تباين المجتمعات والثقافات القائمة بين أوساطهم الاجتماعية، ومستوى لغة الطفل يتحدد بمستوى وطابع الحياة الاجتماعية وثقافة الوسط الذي ينتمي إليه، يقول /ناعوم تشومسكيN. Chomisky/: /إن الطفل يولد وهو مزود بقدرة فطرية خاصة بتعلم اللغة، وإن هذه القدرة تميل إلى النشاط بين الشهر الأول من العمر والسنة الخامسة، ثم تبدأ هذه القدرة بالاضمحلال، بعد أن تكون قد أدت الغاية من وجودها/. أما/أرسطاطاليس/ فإنه يرى أن مناقب الجزء متجهة إلى مناقب الكل ؛لذلك لزم أن يوَجَّه الأولاد والنساء توجيهاً سياسياً إذا ما أفاد صلاح الأولاد والنساء صلاح الدولة؛ ولابد أن يفيد لأن النساء نصف الأفراد ومن الأحداث ينشأ ساسة الدولة/. إن نقطة الانطلاق هي البيت، والثقافة بمثابة الدفعة الحيوية، وتيار الحياة ؛بالنسبة للطفل، حيث يتحرر من مجموعة العادات والتقاليد الثابتة والآسنة التي تؤدى بضرب من الآلية والغريزية والتلقائية، والأسرة هي الخلية الأولى التي تكوّن ثقافة الطفل، الأب والأم والأخوة والأخوات والأقارب والأصحاب، وهي غالباً ثقافة مستقاة من خلاصة البيئة والوسط الذي ينشأ فيه الطفل، وهي ليست ثقافة معارف فقط؛ بل هي أيضاً ثقافة أخلاقية تكون وجدان الطفل وضميره، وثقافة سلوكية يكونها تقليد الطفل ومحاكاته لمن يعتبرهم قدوة له، وثقافة اجتماعية يستمدها من علاقاته بالأقارب والأصحاب وعلاقاتهم به. إن مجلات الأطفال العجائبية والتلفاز؛ تصور لنا الغرب على أنه أرض الأحلام، فضلاً عن نشر العنف والرعب والإباحية، وهذا ربما ألغى ذاكرة الطفل الذي يقصد إلى الترفيه، إذ تجذبه الألوان والحركة والصوت والصورة، كما أن أسلوب تعليم الأطفال لدينا يتكئ على التلقين والحفظ، وهذا الأسلوب والمنحى يجسد ثقافة سلبية، أما أسلوب التعليم والتربية والتثقيف الناجع؛ يعتمد على المحاورة واكتشاف هوايات ومواهب الأطفال والطاقات الإبداعية، وإلى الاعتماد على النفس فيما يطرأ من مشكلات، ولا يتحتم أن يكون القائم على رعاية الطفل أخصائياً في العلم والأدب أو الفن، وإن كان لذلك آثرُ في منطق التربية والتعليم والتثقيف، ولا ننسى هنا أن الخلفاء كانوا يعهدون إلى الأدباء والعلماء بأطفالهم لينالوا قسطاً من الثقافة والرعاية يكون لهم زاداً ومَعيناً في حياتهم القادمة، مما أنتج خلفاء شعراء كابن المعتز وفلاسفة كالمأمون، وعلماء كخالد بن يزيد بن معاوية، وقضاة كعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، الذي نشأ في كنف الرسول صلى الله عليه وسلم، والأوفق في تثقيف الطفل غرس ثمار الخير في ذهنه، لئلا يؤدي ذلك إلى اتسامه بالسلوك العدواني، وتقديم الكتب العلمية بأسلوب شائق يثير حب الاطلاع لديه، ولهذا أثره في تكوين أجيال الأمة تكويناً سوياً لا يشذ عن الحياة الأخلاقية والحضارية والعلمية الخلاقة؛ كما يحرص على القيم الأصيلة لدى الأمم والشعوب، وإثارة قدرات الأطفال على استخدام عقولهم، وعلى البحث والاستقصاء والإبداع والابتكار، مع دعم روح التعاون والمثابرة وتوسيع مخيلة الطفل. إننا نتأرجح ونتذبذب بين جوابذ ونوابذ، وعلينا مسؤولية تنمية قدرات أطفالنا وصقل أذواقهم، خاصة بعد أن هبت رياح العولمة وشرّع الغرب أبوابه ونوافذه للتأثير على ثقافات الأمم الأخرى؛ إن لم يكن لإلغاء هذه الثقافات؛ وغرس قيم غير إنسانية فينا، وتقليد المغلوب للغالب كما يعبر عن ذلك عالم العمران /ابن خلدون/ معروف. لذا يجب أن نبادر إلى استخلاص القيم المثلى التي تشبثت بها الحضارة العربية منذ بدء نهضتها، وأهدت إلى العالم - منذ غابر الأزمان - القانون والشعر والأدب والطب والفلسفة والرياضيات، وأولى أن نبدأ بثقافة الطفل.
تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon