أطفالنا بين لغات ثلاث

خاص: "نساء سورية"

لا شك أن اكتساب اللغة وامتلاكها عند الأطفال يشكل عاملا مقلقاً لكثير من الأهل والتربويين, لذلك أجريت دراسات وبحوث كثيرة في هذا المجال مما أدى إلى ظهور حقائق أغنت كثيرا مجال البحث في عالم الأطفال اللغوي, ومن هذه الحقائق أن الفترة الذهبية لامتلاك الطفل اللغة (اللغة الأم أو اللغة الثانية) هي الفترة العمرية الممتدة من لحظة الولادة وحتى سن الخامسة, ففي هذه الفترة تتشكل عوامل امتلاك اللغة ويصبح الطفل قادراً على التحدث باللغات التي قد تعرض لها في هذه الفترة العمرية, وتمتد فترة مرونة قشرة الدماغ حتى سن العاشرة, بحيث تكون أيضاً هذه الفترة مرحلة ملائمة لامتلاك المعارف. إذا أن هذه القشرة تأخذ بالتصلب, ويغدو الأمر أكثر صعوبة وبطئاً, إذ يعرف أن المعارف والمعلومات التي يتم التعرف عليها واكتسابها قبل سن العاشرة تترسخ بشكل قوي ولا يمكن محوها ومن الصعوبة بمكان نسيانها.
من هذا المنطلق نستطيع أن نناقش مسألة تعليم اللغة الأجنبية لأطفالنا منذ المراحل الدراسية الأولى, ولعله من المهم أن نتوقف طويلاً عند القرار الذي اتخذ بخصوص هذا الأمر ألا وهو أنه يقوم الأطفال بتعلم اللغة الإنكليزية منذ الصف الأول, ومن ثم يبدؤون بتعلم اللغة الفرنسية في الصف السابع. وبذلك يكون الأمر فيه من العدالة الشيء الكثير حين ابتعدنا عن إرغام أطفالنا على تعلم لغة واحدة, ونكون قد فتحنا باب اكتساب اللغة أمام الجميع دون تمييز أو إلحاق ضرر بأحد. هنالك كثير من الآراء التي تبدو أنها متناقضة حول هذه القضية.
من هنا يحق لنا أن نتساءل عن جدوى تأخير تعلم اللغة الفرنسية حتى سن الثالثة عشر مما يعنى أننا قد فوتنا على أطفالنا فرصة كبيرة في امتلاك اللغة الفرنسية في مرحلة مبكرة ومناسبة جداً. والسؤال الذي يراود الجميع الأهل والمدرسين والتربويين هو ما السر الذي جعل المسؤولين يتخذوا هكذا قرار؟ هل تعلم لغة أجنبية يعيق أو يؤخر تعلم اللغة الأم في المدرسة؟ إذا كان الأمر كذلك, إذاً فلماذا نخاطر ونعلم أطفالنا اللغة الإنكليزية؟ إن لم يكن كذلك, فهل تعلم لغتين أجنبيتين بآن واحد يعيق عملية امتلاك إحداهما؟ أم أن الأطفال سيبدؤون بالخلط بين اللغتين الأجنبيتين أو ربما حتى أنهم يخلطون باللغة الأم أيضاً؟ أعتقد أن الأمر غير ذلك تماماً. إذ أثبتت بعض الدراسات أنه بإمكان الطفل تعلم أكثر من سبع لغات في آن واحد دون أن يخلط بينها إلا ما ندر, وخاصة إذا ما توفرت البيئة المناسبة لهذا التعليم.
فهل نستطيع أن نحدد أسباب مقنعة لعدم تطبيق تعليم اللغة الفرنسية بالتزامن مع اللغة الإنكليزية؟ ربما نسمع من المعنيين الكثير من الأسباب التي تحول دون تحقيق هذه العملية ولكن لن تكون كلها مقنعة. ولعل السبب الوحيد الذي نراه منطقياً هو عدم توفر الكادر التدريسي الذي يغطي الحاجة, فنحن بالكاد نستطيع تغطية حاجة المراحل الدراسية العليا من مدرسي مادة اللغة الفرنسية. وهذا النقص ناتج عن سوء تخطيط استمر لفترات طويلة, وزاد الطين بلة حين تم الإفصاح عن نية في إغلاق معاهد إعداد المدرسين بالرغم من أنها كانت تخرّج أعداد قليلة جداً من اختصاص (لغة فرنسية), وذلك بسب قلة طلاب اللغة الفرنسية في المراحل الثانوية. فكثير من المدارس الثانوية في الريف لا يوجد فيه طلاب لغة فرنسية. بالتالي هذا الأمر أوقعنا في مشكلة مركبة تحتاج لوقت قد يطول لإيجاد الحل المناسب لها.
يرى كثير من مدرسي اللغة الفرنسية أن عملية التأخير هذه قد تساهم بشكل ما في اتخاذ موقف سلبي من اللغة الفرنسية, مما يؤدي إلى صعوبة كبيرة في تعلمها وامتلاكها من قبل التلاميذ, وبالتالي نكون قد أسأنا من حيث كنا نريد أن نفيد. فبعض الأطفال قد تواجههم صعوبة في تعلم اللغة الإنكليزية لسبب ما, مما يجعله يعتقد أن كل اللغات الأجنبية تمتلك نفس الخصوصية وبالتالي نفس الصعوبة. هذا الأمر يجعل الطفل يتخذ موقفاً تجاه هذه اللغة ومن ثم سيتأثر امتلاكه لها.
في حين يرى بعضهم الآخر أنه من غير المجدي تعلم أطفالنا لغة أجنبية أخرى إضافة للغة الإنكليزية كون معظم لغات العالم تأتي في الدرجة الثانية أو الثالثة من حيث الأهمية ومن حيث استخدامها في الحياة العملية., لذلك علينا أن نكرس جهودنا من أجل العمل المجدي والأكثر نفعاً كي نحقق فعالية أكثر و نجعل من امتلاك الأطفال للغة الإنكليزية مسألة حقيقية. فلماذا نبدد وقت أطفالنا وجهدهم وبالتالي نعيق عملية اكتساب اللغة الأكثر أهمية ونزيد من العبء الذي يعاني منه البرنامج الدراسي الذي يعاني كثيراً من الضغط الذي يؤثر بشكل سلبي على مستوى التحصيل العلمي و المعرفي لدى أطفالنا في معظم المواد الدراسية.
إذاً كيف لنا أن نتعامل مع وجهات النظر هذه؟ هل نتوقف عن خطوة تعليم لغتين أجنبيتين؟ هل نتابع في هذه الخطوة؟ هل قمنا بدراسة نتائج هذه الخطوة التي بدأناها لتونا على الواقع بعد عامين من هذه التجربة؟ وهل سنأخذ بالحسبان نتائج الدراسات التي سنجريها؟

6/2005
  

التالي
« السابق
الأول
التالي »

تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon